العلامة والمجاهد علال الفاسي رمز النضال والحركة الوطنية

+ حجم الخط -

العلامة المغربي علال الفاسي أحد رواد الفكر الإسلامي السلفي، وبطل النضال الوطني والزعيم السياسي الخالد والمقاوم الصامد، الذي أسهم في إثراء المكتبة الإسلامية بعدد من المؤلفات القيمة. هو عالم ومفكر وأديب سياسي مغربي ومؤسس حزب الاستقلال، شارك في مقاومة المستعمر ومعركة الاستقلال والتحرير في المغرب والعالم العربي.


رائد الإصلاح في المغرب العلامة والمجاهد علال الفاسي
العلامة والمجاهد علال الفاسي رمز النضال والحركة الوطنية


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هو أحد رواد الحركة الوطنية، وعلم من أعلام حركة الإصلاح والتجديد بالمغرب. فانتقال الكفاح الوطني من مرحلة المقاومة الشعبية، إلى مرحلة الكفاح السياسي، جاء على يديه وعلى يدي زعماء آخرين.


يعتبر من علماء ومشايخ الأمة الإسلامية، إذ يعد فكره فكرا سلفيا لكن مع الانفتاح على الغرب، شرط ألا يتعارض مع الدين، فكان بذلك رائد السلفية المتنورة. وظل على كفاحه ومقاومته، حتى حصل المغرب على استقلاله عام 1956 م، فضيفنا لهذه المقالة هو الزعيم والعلامة المغربي السيد علال الفاسي.


من هو الزعيم علال الفاسي، تفاصيل نشأته وتعليمه الأولي


ولد علال الفاسي في مدينة فاس، وبالضبط في حي الأندلس سنة 1910 م، أي قبل سنتين من إعلان الحماية، في بيت عرف بالعلم والجاه والغنى. تنحدر أصول عائلته من أسرة عربية عريقة، الذين هاجروا من الأندلس إلى المغرب الأقصى سنة 800 هـ، بسبب الانحصار الإسلامي في الأندلس.


وقد اشتهرت هذه الأسرة بآل الفاسي، نسبة إلى المدينة التي استقرت بها، فوالده هو الشيخ الفقيه عبد الواحد الفاسي، كان من أكبر علماء المغرب. حيث اشتغل كمدرس بجامع القرويين، وتولى الافتاء والقضاء بمدينة فاس، واشتهر حينها بفتاواه العلمية.


كانت بداية التعليم الأولى لعلال الفاسي على يد والده، ولما بلغ سن الخامسة أدخله الكتاب لتعلم مبادئ القراءة والكتابة، فحفظ القرآن الكريم وهو في سن السابعة، إلى جانب بعض النصوص الدينية والأشعار. وبعدها زاول علال الفاسي تعليمه بمدرسة الناصرية الحرة، التي أنشأها والده رفقة بعض صدقائه، وفي هذه المدرسة تعلم مبادئ الفقه والتوحيد والأدب والعروض. ثم انتقل إلى جامع القرويين، حيث أتم تعليمه الثانوي والعالي ونال إجازته العلمية منها سنة 1930 م.


حرب الريف ودورها في دخول علال الفاسي الساحة السياسية


خلال فترة دراسته بجامع القرويين، كانت حرب الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي على أشدها، فكان علال الفاسي يتابع أحداثها باهتمام وتفاعل كبيرين وتأثر شديد، فكان يدعو الأوساط بنضال المجاهد عبد الكريم الخطابي بواسطة توزيع المناشير. فما كان من سلطات الحماية إلا أن تسحب شهادته العلمية، ولم يحصل عليها إلا بعد فترة طويلة.


وهكذا فقد كانت حرب الريف، من أبرز محطات نشأة علال الفاسي، والتي جعلته شخصا ذا مكانة في الأحداث القادمة، في حياته وفي بلده المغرب على حد سواء. وقد تعرض علال الفاسي خلال حياته، للكثير من الاعتقالات من طرف سلطات الحماية، لكن هذا لم يثني عزيمته، حيث ظل تأثير علال الفاسي، على الوسط السياسي والاجتماعي حتى وهو في السجن.


فأقدمت هذه المرة على نفيه لتحد من هذا التأثير، إلى الغابون بإفريقيا الاستوائية في 31 أكتوبر 1937، ورغم هذه الظروف فهو لم يتوانى عن المطالبة باستقلال المغرب. وبعدها تم إطلاق سراحه وعدة من المعتقلين السياسيين، ورجع علال الفاسي من منفاه الذي دام لمدة 9 سنوات.


وفي 26 مارس 1946 دخل علال الفاسي، إلى مدينة فاس وسط استقبال جماهيري واسع، وبمجرد دخوله إلى المدينة اطلع على وثيقة الاستقلال، والتي أعلنها حزب الاستقلال بعد تأسيسه وصادق عليها. ومنذ ذلك الحين أصبح علال الفاسي، زعيما لحزب الاستقلال وبإجماع كل الأطراف، ومنذ ذلك الحين وهو يسعى بكل الطرق، لتحقيق الغاية التي من أجلها تأسس الحزب.


لكن قبل ذلك انتقل العمل الوطني، إلى مرحلة أكثر هيكلة وتنظيم، وذلك من خلال تأسيس الجمعيات والنوادي، فكان علال الفاسي رئيسا لأول جمعية سرية في المغرب رغم صغر سنه. وقد التحمت هذه الجمعية مع جمعية أخرى، ليكون أول حزب سياسيي في المغرب سنة 1934، تحت اسم "كتلة العمل الوطني"، وكان علال الفاسي رئيسا لهذا الحزب.


تم حل هذا الحزب سنة 1937 تحت ضغوط الاستعمار الفرنسي، واعتقل العديد من أعضائه على رأسهم علال الفاسي، إلا أن مناضلو هذه الكتلة واصلوا عملهم في سرية، حتى استطاعوا في الأخير تأسيس حزب جديد سمي بـ "الحزب الوطني". فتطورت مطالب هذا الحزب ومعه مطالب الشعب المغربي، من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال، فتم إعلان وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944، وأخذ علال الفاسي على عاتقه، تحقيق مطالب هذه الوثيقة، حتى تم للمغرب استقلاله في 18 نونبر 1956.


موسوعية علال الفاسي وعبقريته، التوجه الفكري للزعيم


كان علال الفاسي شاعر الوطنية، فمعظم الأناشيد الوطنية التي يتغنى بها المغاربة كانت من تأليفه، فهو يعتبر الأناشيد والأشعار الوطنية، نوع من أنواع المقاومة وسببا في توعية الشعوب، وتوجيهها لما هو أفضل لمستقبل العباد والبلاد.


فبالإضافة إلى رحلته الطويلة في الكفاح الوطني خاض الزعيم علال الفاسي رحلة عميقة في التأليف في شتى أنواع العلوم، وأثرى الساحة الفكرية بمصنفات فاقت 80 مؤلفا. فقد كان عالما ومفكرا متعدد الاختصاصات، وموسوعيا مدافعا عن القضية الكبرى عنده وهو الإسلام. نظرا لتشبعه بالفكر الإسلامي وعلى الخصوص الفكر المتنور السلفي، الذي يدعو إلى الرجوع إلى الإسلام في ينابعه الأولى، وفي نفس الوقت الانفتاح على ما لا يمس بجوهر الدين.


وفي هذا الإطار ألف مجموعة من الكتب، دفاعا عن الإسلام وشرحا له ونشرا لأفكاره وتجديدا له، ومن بين مؤلفاته الدينية التي لا تزال مرجعا لا غنى عنه، لفهم أسرار الشريعة كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها". حيث تعرض إلى أصول الشريعة، فتناولها من جهة المقاصد أكثر مما تناولها من جهة العلة.


فجمع بذلك بين نقاط الجدل القديم والجديد، ودل القارئ على نقاط القوة فيها ووسائل الإجابة عن بعض الأسئلة. ثم بين بعد ذلك وسائل الاجتهاد وأسباب الاختلاف، بما يفسح المجال للذين يرغبون في التعمق في أسرار الشريعة وتفهم مغازيها، إذ يقول في خاتمة كتابه :


 "وإن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في العقول والقلوب والأفهام. فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئا. واختلفوا باختلاف عدوهم، فمنهم من يومن باليمين ومنهم من يومن باليسار ومنهم من يظل فارغا من كل عقيدة ومجردا من غير التبعية في الهوى وفي الشهوة، فكان عاقبة أمرهم أن تسلطت عليهم هذه الحكومات البوليسية في كل مكان تصليهم ظلما، ولا تالوهم اضطهادا وهضما، فإذا انتبهوا وظنوا أنهم قادرون على أن يقاوموا الجور وينازلوا الطغيان، جاءهم من فكر الغرب ما يوجههم نحو طغيان آخر واضطهاد جديد، وسيبقون كذلك ما داموا ينشدون العدل من غير الإسلام، والصلاح من غير القرآن؛ وقد صدق مالك حين قال؛ (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) فعسى أن ينتبه طلبتنا، والدارسون للقانون والأخلاق منا، والمتيقظون على العموم، إلى أن الفقه الإسلامي وحده الكافي لعلاج المجتمع، والأخلاق القرآنية وحدها المحققة لتوازن القوى وتعادل الوحدات الاجتماعية في البر والتقوى، فيتقدمون إلى دراسة الفقه، واستخلاص أسراره، وإلى الأخلاق واستنباط جماعها ومعالمها، ثم يشرحون ذلك لإخوانهم. ويبلغونه لجمهور الأمة التي لا تنتظر إلا من يخاطبها بما يوافق قلبها ويعيد وعيها. ثم يجاهدون جهاد الأبطال لإقرار شريعة الإسلام قانونا للدولة، وأخلاق القرآن معيارا للشرف والفضيلة والقيم الاجتماعية... وأما المثقفون ثقافة غربية من أبناء قومنا فهم مقتنعون بأن الفكر الغربي هو كل شيء والقانون الأجنبي هو المثل الأعلى، ولكن عذرهم أنهم لم يدرسوا الفقه الإسلامي ولا تعرفوا إلى مصادره ولا تعمقوا أسراره ومقاصده، وهم ولا شك مستعدون متى ما وجدوا من ينصبون أنفسهم لتوعيتهم وإرشادهم لأن يستجيبوا، وهم أقدر على المقارنات والمقابلات التي تريهم مزايا الفقه الإسلامي وتفوقه على كل القوانين." علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، (دار الغرب الإسلامي، ط 5، 1993 )، ص 275-276 


وهنا نلمس نفسا كلاميا حيث لبس علال الفاسي عباءة المتكلم يقوم بمحاججة وإقناع النخب المغربة بقيمة الشريعة الإسلامية وأخلاقها.


وفي كتاب "دفاع عن الشريعة"، تصدى علال الفاسي وانبرى للدفاع عن الشريعة، ولإثبات أنها جديرة وقديرة على أن تكون صالحة لكل عصر ولكل زمان. وقدم على ذلك عدة دلائل وكان التفكير في المستقبل، هو الخاصية المميزة لفكر علال الفاسي، في جميع مراحل حياته العلمية والسياسية.


إذ كان مفكرا واقعيا ولذلك ابتكر أفكارا مبدعة، واستنبط حلولا عملية لمشكلات بلاده، وأسس لنظريات خلاقة في الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي. وسجل بذلك مواقف فكرية رائدة ارتفع بها، إلى قمة الإبداع الفكري والتنظيري الذي لا ينفصل عن الواقع، وذلك ما نجده في كتابه "النقد الذاتي" إذ يقول :


 "إن قومنا اليوم يتطلبون الحرية، فيجب أن يتعلموا التفكير في معانيها، فليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء ويأتي كل ما يريد، وكلنها في أن يعد نفسه لمبدأ صحيح وعقيدة ثابتة، ويعمل لها ويكافح من أجل تحقيقها ويرعاها في سلوكه وأعماله وتفكيره بما تشتمل عليه من تفاصيل وما يحيط بها من جوانب." علال الفاسي، النقد الذاتي، ص 55 

وكسائر علماء عصره ناهض العلامة علال الفاسي، الشعوذة والاعتقادات المنحرفة الجارفة، انطلاقا من فكره السلفي التقدمي والمتنور، رفقة كوكبة من العلماء المغاربة، كبوشعيب الدكالي، ومحمد بالعربي العلوي، والمكي الناصري وغيرهم.


علال الفاسي يقرأ ويهضم معظم الأفكار القديمة والحديثة


انكباب علال الفاسي على القراءة المعمقة، ومتابعة الجديد في دنيا الفكر الإنساني في تلك الفترة، جعله يهضم الأفكار والنظريات والفلسفات القديمة والحديثة، واستيعاب التيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. فأخذ يبدع الأفكار التجديدية ويصوغ نظريته، لبناء أسس المغرب الجديد بعد التحرر والاستقلال، وفق فلسفة عقلية مرنة ومستوعبة.


فعلال الفاسي هو خلاصة الأفكار الإسلامية، التي جاهد من أجلها ودافع عنها وعاش لها، كل من محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الحميد بن باديس، وشكيب أرسلان، وغيرهم.


لا نبالغ إذا إن قلنا شخصية الزعيم علال الفاسي، نموذجية في كل شيء، في الوطنية الصادقة والعبقرية المتفتحة، والخطابة الموهوبة والذكاء الخارق، والفكر الناضج والعلم الواسع. فهو إنسان تكاملت فيه صفات النبل وسمات الإبداع، وتجمعت في شخصه معاني التضحية والمقاومة والفداء، ولعب دورا كبيرا في حياة الأمة المغربية، وغير مجرى الأحداث فيها.


وفاة العلامة علال الفاسي وهو يدافع عن القضية الفلسطينية


وشاء الله أن يتوافى علال الفاسي منيته، وهو في ميدان العمل والجهاد، حيث توفي في بوخارست عاصمة رومانيا، يوم الإثنين 13 ماي 1974، في زيارة قام بها حزب الاستقلال، لشرح وبيان قضية المغرب والصحراء المغربية. والنضال الشعبي الفلسطيني في سبيل نيل حريته وأرضه، ودفن بمقبرة الشهداء بالرباط، بجوار الشهيد علال بن عبد الله.


وكان الهدف من رحلته إلى رومانيا، هي أن يوضح وجهة النظر العربية، للمسؤولين الرومانيين في قضية فلسطين، فقد كان يحمل هم فلسطين أكثر مما يحمل هم بلاده المغرب. لأنه يعتبر احتلال فلسطين بداية المخطط الاستعماري، للقضاء على بلاد العروبة والإسلام. وسيظل اسم علال الفاسي كمحور للأمة، ورائد للوطنية خالدا في ضمير أمته، لأنه عاش من أجلها ومات من أجلها.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الزعماء والمناضلين والمفكرين والعلماء المغاربة الذين ساهموا بكل ما لديهم في سبيل تحرير هذا الوطن ثم في سبيل تقدم وتطور هذه الأمة. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.


كتابة تعليق