قصة الحسن البصري سيد التابعين وأحد علمائهم

+ حجم الخط -

الإمام الحسن البصري، هو أحد علماء التابعين وأحد الشخصيات البارزة في العصر المتقدم للإسلام. إمام وقاضي ومحدث سكن البصرة فعظمت شخصيته وزادت مكانته عند الناس. تميز بفصاحته وكثرة علمه وله الكثير من الأقوال الرائعة المأثورة عنه، كان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف من ظالم متجبر على كلمة الحق قائم لا تثنيه لومة لائم.


أقوال ومواعظ ووصايا الحسن البصري وقصته مع الحجاج
قصة الحسن البصري سيد التابعين وأحد علمائهم



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هو الشخص الذي أعاد الإسلام إلى طريقه الصحيح بعد أن كان قاب قوسيين أو أدنى من الضياع والاندثار بسبب الحياة المادية وانتشار مظاهر الترف واللهو التي طغت على المجتمع الإسلامي في عهد الدولة الأموية. لقبه هو سيد التابعين، أصله من البصرة لكنه ولد وترعرع بالمدينة المنورة. فضيفنا لهذه المقالة هو شيخ الإسلام الحسن البصري سيد التابعين وأحد علمائهم.


من هو سيد التابعين؟ مولده ونشأته وهجرته إلى البصرة


ولد الحسن البصري سنة 21 هـ/642 م بالمدينة المنورة، فأبوه فيروز كان من سلالة ملوك الفرس وقد أسر وأخذ عبدا هو وابنة عمه خيرة في إحدى الفتوحات الإسلامية إلى العراق في نيسان. وبعد أن أتو بهم إلى المدينة قام زيد بن ثابت بشراء فيروز، وقامت أم سلمة زوجة النبي ﷺ بشراء خيرة، وخلال مدة عمل فيروز قرر زيد أن يغير اسمه إلى يسار. وبسبب معاملة زيد بن ثابت الجيدة ورفقه تأثر به يسار، وقرر على إثرها أن يسلم وكذلك ابنة عمه فعلت، فقام زيد بتزويج يسار من خيرة وهكذا رزقا بطفل جميل أسموه الحسن.


نشأ الحسن البصري في بيت أم سلمة ورضع منها ولقي جماعة كثيرة من الصحابة وتعلم منهم، وحين بلغ الحسن البصري سن 10 قام زيد بن ثابت بإعتاق يسار وكذلك قامت أم سلمة بإعتاق خيرة. فتأثر الحسن البصري من هذه الحادثة وقرر من يومها ألا يكون أسيرا لهوى ولا لشيطان ولا لمال ولا لمنصب وأن يكون حرا. وفي سن 12 كان قد حفظ القرآن والأحاديث النبوية وتبحر في كل علوم عصره من فقه وتفسير وعقيدة.


لكن سبب مقتل عثمان بن عفان صدمة واضطرابا له جعله يتوه بين ما هو صائب وما هو خاطئ وكان يبلغ آن ذاك 14 سنة. وبعد وفاة زيد بن ثابت وأم سلمة ورحيل عمر بن الخطاب إلى الكوفة في العراق، أحس يسار وخيرة بالوحدة في المدينة، فقرروا أن يعودوا إلى بلدهم البصرة وقرر الحسن البصري أن يرحل معهم، وهناك صدم بمجتمع جديد تطغو عليه حالة الغنى والترف.


مشاركته في الفتوحات الإسلامية وقرار إصلاح المجتمع الجديد


خلال هذه الفترة شارك الحسن البصري في عدة فتوحات إسلامية، فقد شارك في الفتوحات الشرقية وساهم في فتح عدة مناطق كان من أبرزها مدينة كابول بأفغانستان. وبعد هذه الفترة التي قضاها الحسن في الفتوحات تولدت عنده همة عالية وعزيمة قوية فرجع إلى البصرة وقد عزم في نفسه على تخليص المجتمع مما لحق به من فساد ينخر فيه وانهماك في الدنيا كاد يؤدي إلى كارثة في الدين، وكذلك منع الناس من الانتكاس والرجوع إلى ديانتهم القديمة.


فقد شهد المجتمع الإسلامي خلال فترة حكم الدولة الأموية ازدهارا وتطورا بسبب عدة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وهذا أدى إلى نشوء طبقة الأغنياء المترفين. فكثرت الأموال وأدوات الترف واشتدت الإغراءات المادية، وأصبحت الحياة اليومية يطغو عليها طابع المادية والتنافس والتكاثر في الأموال. حتى أشرف الإيمان والعمل الصالح على الضياع والتلف، وأوشكت الأمة على الانهيار في الأخلاق والإيمان، وسيطرت الحياة المادية على الأفراد والمجتمع.


لكن وسط هذا السيل الجارف وقف عدة رجال متصديين له ودافعين أذاه عن هذا الدين ومخلصين عددا كبيرا من المسلمين من أن تجرفهم المادية وتستعبدهم الشهوات. كانت لجهود هؤلاء المصلحين فضلا كبيرا في إبطاء سير هذا التيار، وأن يعيدوا الإسلام والمسلمين إلى الوجهة الصحيحة. ومن بين الذين حملوا على عاتقهم هذه المسؤولية وتفرد من بينهم بالإمامة كان هو الحسن البصري، الذي ظل دائما يحث على عدم الانجراف خلف هذه الحياة والعمل من أجل خلود الآخرة، فهذه الحياة قصيرة وخداعة.


المشروع الإصلاحي مواعظ وأقوال الإمام التي تمس القلوب


كانت مواعظه في الغالب تمس القلوب، إذ عرف عنه بلاغة اللسان وقوة الإيمان. كان يصور في أكثر مواعظه عصر الصحابة وما اتسم به من أخلاق وصفات ويقارن بين عصرهم وعصره ويصف التدهور الذي أصيب به المجتمع الإسلامي في الإيمان والأخلاق. كان الحسن البصري رجلا ناطقا بالحق وشجاعا لا يخشى أحدا سوى خالقه، حتى أنه دخل في صراع مع بعض الحكام وولاتهم مثل : الحجاج بن يوسف الثقفي الذي عرف ببطشه وطغيانه وجبروته، وقد ألقاه الحسن بخطب لاذعة ينهاه فيها عما هو فيه. وظل الحسن البصري مستمرا في خطبه اللاذعة ودعوته إلى الله تعالى على بصيرة دون أن يهاب سلطانا.


قصته مع عمر بن عبد العزيز بداية الإصلاح وبناء الدولة


استمر الحال على ذلك ما بين مد وجزر حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز، حيث وجد الحسن البصري في هذا الحاكم العادل ضالته المنشودة، كما رأى فيه تحقيق حلمه الكبير الذي كان يراوده وأعجب به كثيرا. فقد كان عمر بن عبد العزيز يتحلى بأدب إسلامي رفيع، وخلال فترة حكمه رد الحقوق إلى أصحابها وألغى كثيرا من العادات والتقاليد التي تنافي الإسلام ووضع حدا للظلم والطغيان وكان يعين الولاة الأكفاء المخلصين. وقد ساعد الحسن البصري الخليفة في هذا الإصلاح، وقام بدور إيجابي في بناء الدولة الإسلامية.


ارتكز مشروع الحسن البصري الإصلاحي على قضية محورية وهي إصلاح القلب، حيث كان يرى أن المعلومات الدينية وحدها لا تكفي إن كان القلب مريضا. فغزارة المعلومات وحدها لا تصنع إلا التشدد والتطرف، وأن يكون الفرد سليم القلب خير من أن يكون غزير المعلومات وبقلب مريض. وهو يضع لهذا 5 أسباب لمرض القلب يجب على كل مؤمن التخلص منها لكي يكون شخصا سليم القلب وهي :


  1. لهو القلب : "مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" سورة الأنبياء الآية 2
  2. قلب غليظ : "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" سورة آل عمران الآية 159
  3. زيغ القلب : "فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ" سورة الصف الآية 5
  4. قسوة القلب : "ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً" سورة البقرة الآية 74
  5. عمى القلب : "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" سورة الحج الآية 46

وكان دائما ما يردد الآية الكريمة :


"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" سورة الرعد الآية 11


وقد روي أن الحسن البصري تولى القضاء في عهد عمر بن عبد العزيز وأصبح هناك الرقم واحد في علماء البصرة وسيد التابعين وهو في سن 30، ومن أقواله المأثورة :


بئس الرفيقان، الدينار والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك


ويقول عنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي :


وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديا من الصحابة. وكان غاية في الفصاحة تتصبب الحكمة من فيه. أي من فمه


يوم حزين خيم على المسلمين موقف لم يحدث على الإطلاق


ظل الحسن البصري مستمرا في تبليغ الرسالة والدعوة إلى الدين الصحيح حتى أيامه الأخيرة، حيث توفي ليلة الجمعة سنة 110هـ/728 م وحزن الناس عليه حزنا شديدا. ودفن عقب صلاة الجمعة وشيع جنازته عدد كبير من الناس حتى أن صلاة العصر لم تقم يومئذ في جامع البصرة، وهو أمر لم يحدث أبدا منذ أن جاء الإسلام إلى ذلك المكان.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الشخصيات الإصلاحية الحسن البصري، والذي أعاد الأمور إلى نصابها ووجه بوصلة الإسلام إلى وجهتها الصحيحة. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات، شاركونا برأيكم في التعليقات، ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.




كتابة تعليق