رابعة العدوية إمامة العاشقين والمحزونين مؤسسة مذهب العشق الإلهي

+ حجم الخط -

رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي وإمامة العاشقين والمحزونين وتكنى بأم الخير، هي إحدى الشخصيات المشهورة في تاريخ التصوف الإسلامي، وهي مؤسسة المذهب التصوفي المعروف باسم الحب الإلهي أو العشق الحقيقي. كرست حياتها بالكامل للعبادة والتفرغ للزهد والتصوف والتبتل، فلم يشغلها عن ذلك زوج ولا مال ولا ولد ولا أكل ولا لباس.


رابعة العدوية إمامة العاشقين والمحزونين مؤسسة مذهب العشق الإلهي
رابعة العدوية إمامة العاشقين والمحزونين مؤسسة مذهب العشق الإلهي


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هي إحدى الشخصيات التي أثرت في تاريخ نشوء وتطور التصوف الإسلامي وكانت من الشخصيات الذين بعثوا روحا جديدة في الحياة الروحية ونقلوا الزهد إلى معناه الآخر. عرفت بلقب أم الخير وعاشت حياتها متبتلة ومتفرغة للعبادة والورع. فضيفنا لهذه المقالة هي شهيدة العشق الإلهي السيدة رابعة العدوية.


ولادة ونشأة رابعة العدوية طفولة صعبة تلك التي عاشتها


ولدت رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية سنة 100 هـ/ 717 م بالبصرة في أسرة فقيرة لدرجة أنه حين ولدت لم يجدوا خرقة للفها بها، وقد سميت رابعة لأنها الإبنة الرابعة لوالدها أما لقب العدوية فهو يرجع لقبيلة بني عدوة التي تنتمي إليها. فأبوها إسماعيل العدوي كان رجلا فقيرا وعابدا في البصرة، وقد تربت رابعة ونشأت في بيئة إسلامية وحفظت القرآن الكريم والأحاديث النبوية في سن صغيرة.


كانت حياة رابعة العدوية في صغرها قاسية للغاية، فبالإضافة للفقر الذي عاشته ذاقت مرارة اليتم بعد أن مات أبوها وسرعان ما لحقت به أمها، فأصبحت رابعة مع أخواتها دون معيل ولم يترك الأب لهن سوى قاربا يقل الناس في أحد أنهار البصرة بدراهم معدودة. ثم حدث قحط في البصرة فاضطرت الأخوات الأربع الخروج منها، فتفرقت بهن السبل وصارت رابعة وحيدة متشردة تكافح المجاعة التي أوجدت اللصوص وقطاع الطرق في البصرة، فتعرضت رابعة ذات يوم للخطف وبيعت بستة دراهم لرجل أثقل عليها العمل.


كانت تصوم وتخدم سيدها وتصلي لربها متجهدة طوال الليل، وحدث في يوم من الأيام أن ذهبت لقضاء حاجة لسيدها فإذا بشخص يتبعها بنظرات تبطن الشر، ففزعت واختبأت ثم أخذت تناجي ربها أن يحفظها. وهذه هي الفترة الحاسمة في حياة رابعة العدوية الروحية فما كانت تعانيه في رقها وما احتملته إبان ذاك من آلام وذل ومهانة، هيأ لانصراف رابعة إلى الزهد وابتداء الرسالة الروحية فلم تجد خلاصا أو بالأحرى عزاءا لها عن تلك الحال إلا في الإيمان والثقة بالله والتعزي بالآخرة عما تلقاه في الدنيا.


هل كانت رابعة العدوية فتاة لاهية كما صورتها الأفلام


إضافة إلى أنها حفظت القرآن وقرأت الحديث كما حافظت على صلاتها وهي في سن صغيرة، أي بعبارة دقيقة أنها نشأت عابدة. عكس الصورة التي توردها بعض المؤلفات وبعض الأفلام العربية عن كون فترة حياتها الأولى كانت عبارة عن لهو ولعب ومجون وإغراق في الملذات والشهوات وعيش حياة المومسات، قبل أن تتحول إلى حياة الزهد والتقي والعبادة.


عوامل ساهمت بقوة في رسم وتحديد مستقبل العاشقة المحزونة


قام سيد رابعة العدوية بإعتاقها بعد ما رآه فيها من عبادة وورع فكانت هذه فرصة لرابعة من أجل التفرغ فقط للعبادة والتقوى، فما كان منها إلا أن ودعته ورحلت. معاناة رابعة العدوية لأشد أنواع العذاب وحرمانها من الدنيا أوصلها بالآخرة، وحرمانها من أبويها في عهد مبكر جعلها تسعى نحو الإله الأعظم، وصبرها على المكاره جعلها تثق في الله وتركن إليه وتطمئن إليه.


فالقهر الخارجي في حياة رابعة فجر لديها طاقة روحية هائلة جعل باطنها مختلف كليا عن ظاهرها، حرمانها من الحب والعطف والرحمة الدنيوية جعلها تبحث عن معاني الحب الباطني بلهف وشوق ولذة. فرابعة العدوية تنتسب إلى الجيل الأول من الصوفية المسلمين الحقيقيين الذين أشاعوا في التصوف روحا جديدة كل الجدة على التطور العام للحياة الروحية في الإسلام. إذ تعتبر رابعة العدوية رمزا من أهم رموز التصوف الإسلامي، كما تعتبر واحدة من رائدات الفكر الصوفي.


مفهوم الحب الإلهي ونشأته على يد إمامة العاشقين والمحزونين


يعرف التصوف بأنه توقف الإنسان عن العمل بهدف العكوف على العبادة، ويظهر ذلك من خلال الإعراض عن أي أمر يتعلق بالدنيا وزخرفها، وهو يتمثل بالشوق إلى الله والحب المتجرد من أية غايات أو منافع مادية. فإذا ذكرت المحبة ذكرت السيدة رابعة العدوية سيدة العشق الإلهي، فمقام المحبة هو أعلى مقامات المعرفة بالله تعالى، لأن الطريق إلى معرفته عز وجل له أساس وله روح وله سر، فأساس معرفته سبحانه وتعالى هو العلم، وروح الطريق إلى الله الأدب، وسر الطريق إلى الله المحبة.


يتمحور حب رابعة العدوية على الحب الإلهي وهي مبتدعة هذا المفهوم "الحب"، فهو مفهوم انبثق على خلفية الإحسان والنعم الإلهية. أما منهجها في العبادة فكانت تقول بأنها لا تعبد الله خوفا من ناره ولا طمعا في جنته، فهدف كل صوفي هو الوصول إلى المكاشفة أو المعرفة الحقة، والمعرفة الحقة هو الاطلاع على الله ومعرفته ليس خوفا من بطشه أو طمعا في جنته ولكن حبا فيه. يورد الشعراني أن رابعة العدوية قالت :


إلهي اجعل النار لأعدائك والجنة لأحبائك أما أنا فحسبي أنت.


جعلت رابعة الحب الإلهي مدار زهدها ورؤيتها للتصوف وقد اصطبغت الشكوى إلى الله بصبغة الحب والرغبة في الاتصال بهذا المحبوب الأعلى. فنظرية العشق الإلهي عند رابعة العدوية تجمع بين المحبة والخوف من جهة، والمحبة والحزن من جهة ثانية، إضافة إلى أنها كان يصحبها بكاء شديد لدرجة أنه كان يغمى عليها، فالحب عند رابعة كان يتلون تارة بالحب وتارة بالعشق وتارة بالحزن.


كانت رابعة العدوية المرأة الأولى التي تدخل فكرة الحب الإلهي الطاهر في الفكر الصوفي حتى صار لفظا أساسيا عند عموم الصوفية. وكانت رابعة فاتحة مرحلة إبداعية جديدة في الحياة الصوفية، حيث تأثر بها مجموعة من المتصوفين أبرزهم الشيخ الزاهد معروف الكرخي الذي يعتبر حجر الزاوية في توسيع رقعة التصوف وبسط نفوذه الجغرافي. وكانت رابعة العدوية السباقة لوضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي وقد تركت أشعارا في التعبير عن محبتها وحزنها ووصف الحب الإلهي، ومن هذه الأشعار نذكر ما يلي :


عرفت الهوى مذ عرفت هواك ********** وأغلقت قلبي عمّن سواك

وكنت أناجيك يامن ترى ********** خفايا القلوبِ ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى ********** وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى ********** فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذى أنت أهل له ********** فكشفك للحجب حتى أراك

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ********** ولكن لك الحمد في ذا وذاك


أقامت رابعة الحب الإلهي نصب أعينها لا تبرحه ودارت حلقات صوفيتها وأقوالها المأثورة حول هذه الفلسفة، ومن كلامها أنها قالت :


اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم.


رفض الزواج من أمير البصرة وظلت عذراء إلى يوم وفاتها


فتعلق رابعة بالذات الإلهية هو حب صاف ولعل هذه الحالة من الزهد والحب الإلهي الطاغي جعلها تعزف عن الزواج وبقيت عذراء طيلة فترة حياتها، فهي لم تتزوج بالرغم من أن كثير من الرجال طلبوا يدها للزواج. ويروى أن الحسن البصري تقدم لخطبتها لكنها استبدلت حب الزوج والولد بالحب الإلهي. هكذا عاشت رابعة العدوية بقية حياتها في البصرة زاهدة متعبدة لا تريد شيئا سوى وجه الله ومحبته ورضاه، وظلت على ذلك حتى وفاتها في سنة 180 هـ/ 796 م وقد دفنت في مسقط رأسها بالبصرة. وظلت رابعة العدوية عذراء بتولا تقدم لخطبتها خيرة رجال قومها لكنها فضلت الانصراف إلى حياة التعبد وحدها دون زوج ولا ولد فرحمة الله عليها.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الشخصيات الصوفية إمامة العاشقين والمحزونين في الإسلام وشهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.




كتابة تعليق