يعقوب بن إسحاق الكندي مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية

+ حجم الخط -

يعقوب بن إسحاق الكندي مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية كما يعتبره الكثيرون. كان موسوعيا متبحرا في معظم علوم عصره من فلسفة ورياضيات وفلك وطب وكيمياء...، إضافة لكونه موسيقي تمكن من وضع أول سلم للموسيقى العربية، كما عمل في الترجمة ونقل إلى العربية أعمال أرسطو والكثير من الكتب العلمية والرياضية.


يعقوب بن إسحاق الكندي مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية
يعقوب بن إسحاق الكندي مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هو أحد كبار الفلاسفة المسلمين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الفكر الإسلامي خاصة والفكر الإنساني عامة. هو أول فيلسوف عربي وقد عاصر كل من المأمون والمعتصم والمتوكل والواثق وهذه الفترة كانت الفترة الذهبية لحركة الترجمة. ضمت كتبه مختلف علوم عصره من فلسفة ومنطق وهندسة ورياضيات وفلك وغيرها وقد كان الرجل جريئا في أفكاره وآراءه حيث كان يضع أصبعه على الأماكن التي كان يتحاشاها الآخرين. فضيفنا لهذه المقالة هو فيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكندي.


مولد ونشأة الكندي واشتغاله في بيت الحكمة على الترجمة


ولد أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي سنة 185 هـ/ 805 م في البصرة وانتقل في صباه إلى بغداد التي كانت عاصمة الإمبراطورية العباسية بعد وفاة والده الذي كان واليا على الكوفة رفقة أمه إلى بغداد. ينحدر الكندي من قبيلة عربية مرموقة وهي قبيلة كندة، أكمل الكندي دراسته ببيت الحكمة والذي كان مقصده الأول حيث دار الكتب التي أنشأها هارون الرشيد وازدهرت في عهد المأمون.


فالقرن الأول من الحكم العباسي يشتهر بدرجة كبيرة من التقدم الحضاري والمعرفي بدأ من هارون الرشيد الذي كان محبا للعلم والعلماء والشعر والشعراء والأدب والأدباء وغرس في أولاده حب المعرفة. فلم ينتهي العصر العباسي إلا وكان تقريبا كل التراث اليوناني نقل من اليونانية إلى اللغة السريانية القديمة ثم من السريانية إلى اللغة العربية.


حظي الكندي بعناية الخليفتين المأمون والمعتصم حيث جعله المأمون مشرفا على بيت الحكمة وجعله المتوكل خطاطه الخاص بسبب جمال خطه أما المعتصم فعينه مربيا لأبنائه. كانت الظروف مهيأة للكندي لكي يلمع في سماء العلم فالعصر الذي عاش فيه هو عصر حنين بن إسحاق وثابت بن قرة وهم من كبار المترجمين.


وبطبيعة الحال اختلط بهم الكندي اختلاطا ثقافيا وتفاعل معهم علميا وثقافيا واستفاد منهم فصار الفتى علما في وضع أسس الكلام ورائدا لمدرسة الاستقلال الفكري وجريئا في إبداء رأيه لما رآه من حرية تكتنف هذه الساحة. حبه الجارف نحو التعرف على حضارات الآخرين زاد من شغفه بالاضطلاع على الكتب اليونانية والسريانية والهندية والفارسية حتى بلغ منزلة أصبح من خلالها معيارا للمفاضلة بين أكثر من ترجمة للمؤلف الواحد ينتقي من بينها الأصلح والأقرب للغة الأصلية.


الكندي وتطور الفلسفة الإسلامية محاولة التوفيق بين العقل والنقل


كان جهد الكندي الأكبر في تطوير الفلسفة الإسلامية هو محاولته لتقريب الفكر الفلسفي اليوناني وجعله مقبولا عند جمهور المسلمين، إذ كان هدفه الأساسي هو التوفيق بين الدين والفلسفة بين العقل والنقل. فهو يرى أن غاية الدين سعادة الإنسان وغاية الفلسفة كذلك سعادة الإنسان إذا الهدف الذي يسعى إليه الدين هو نفس الهدف الذي تسعى إليه الفلسفة.


أضف إلى ذلك أن أعلى العلوم الفلسفية عند الفلاسفة هو العلم الإلهي الذي يبحث في الله وأدلة وجوده وصفاته وهنا يتقاطع الفيلسوف مع رجل الدين، إذن يمكن أن نقول لا تعارض بين الجانب الديني والجانب الفلسفي. يرى الكندي أن المفكر يستطيع أن يهتدي إلى فكرة الدين وفكرة التوحيد باستعمال عقله وأن الذي لا يستطيع أن يصل إلى هذا الاستنتاج وإلى هذه القناعة إنما يدل على ضعف قدرته العقلية، فعنده أن الإيمان يمكن أن يقوم على أساس التفكير وعلى أساس العقل.


تركز فهم الكندي لما وراء الطبيعة حول الوحدانية المطلقة لله والتي اعتبرها سمة مفردة فقط لله وهذا كان ممهدا لظهور فيما بعد إشكالية الإسمية والواقعية. إضافة إلى ذلك وصف الكندي الله بالخالق وقرب هذا التصور بين تصورات الفلسفة الأرسطية ومفهوم الله عند المسلمين، وفي تصوره للعلاقة بين الوحي والفلسفة يرى الكندي أن النبوة والفلسفة طريقتان مختلفتان للوصول إلى الحقيقة.


موسوعية الكندي وتبحره في شتى المعارف أبرز العلوم التي برع فيها


كان الكندي على إيمان بأن لكل مبدئ منطقا، فالمنطق فكر مرتب ومنظم مثل حساب الأرقام من هنا جاء اهتمامه بالرياضيات والهندسة متبعا مبدأ أفلاطون في كون الفلسفة لا تفهم إلا بالرياضيات التي لا تفهم إلا بالدلائل والبراهين القاطعة حيث لا مجال للظن شأنها في ذلك شأن المنطق. رأى أنها هي المرحلة الأولى التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها وأن يهضمها وبدونها لا تفهم العلوم الأخرى، ينبغي أن يفهم الرياضيات ثم يدرس المنطق وبدون المنطق لا يستطيع أن يفهم لا الفلسفة ولا العلوم الأخرى.


يعتبر الكندي واحدا من 12 عالما على مدار التاريخ الذين أثروا في علم الرياضيات، والمعروف حتى الآن أن النموذج الأعلى لدقة أي علم من العلوم هو أن يحول إلى معادلات رياضية. الكندي كان مهتما بالرياضيات وكان يعتقد أن كل شيء في الطبيعة من الممكن أن يحلل بالرياضيات والأرقام.


له رسائل في الرياضيات تجمع ما بين موقفي أفلاطون وأرسطو حيث أن أرسطو كان مهتما أكثر بملاحظة الطبيعة والفيزياء والأحياء بينما كان أفلاطون مهتما بالرياضيات. وفي آثار الكندي نستطيع أن نحلل الطبيعة من خلال الأرقام والرياضيات وكان أيضا يعتقد أن الملاحظة هامة للغاية وهو بالتالي يجمع ما بين أرسطو وأفلاطون. وقد لعب دورا هاما في إدخال الأرقام الهندية إلى العالم الإسلامي والمسيحي كمعظم علماء عصره.


تأثر الكندي بالموسيقى وأعجب بها فربط بينها وبين المنطق الفلسفي، ولعل ذلك ما أعانه على اكتشاف السلم الموسيقي الشرقي مقتفيا أثر فيثاغورس الذي اكتشف السلم الموسيقي الغربي مستندا إلى المنطق في تتبع النغمات الموسيقية المتتالية، فاقترح إضافة الوتر الخامس للعود. وقد خلف الكندي لنا فضلا عن ألحانه الخاصة 7 رسائل في الموسيقى وقد أدخل علم الموسيقى كعلاج لبعض الأمراض النفسية.


نجح الكندي في علاج العديد من الأمراض النفسية باستخدام الموسيقى والتي تستخدم الآن في حاضرنا كواحدة من الطرق العلاجية الشافية لعلاج العديد من الأمراض النفسية. لذلك كتب الكندي كتابا اسمه في الحيلة لدفع الأحزان إذ كان يعتقد أن الأحزان يمكن أن تعالج برفع معنويات المريض وبالحديث معه، وكان للكندي تأثير في أبو بكر الرازي الذي كتب كتابا في هذا الموضوع اسمه الطب الروحاني.


وفي مجال الصيدلة استعمل الكندي الرياضيات لوضع مقياس رياضي لتحديد فعالية الدواء وأيضا وضع نظام الجرعات المتتالية في العلاج. كتب في الأدوية المفردة والمركبة والتي كانت تسمى في ذلك الوقت علم الأقرباذين أما بالنسبة لأهم إنجازه هو موسوعته العلمية في مجال الصيدلة والتي تلخصت في مجموعة عديدة من الوصفات الطبية والتي استخدم فيها جميع المركبات المستخلصة من النباتات والحيوانات والمواد الكيميائية. وترجمت هذه الموسوعة في وقت باكر إلى اللاتينية وطبعت بدأ من القرن 16 طبعات عديدة كان لها تأثيرها في علم الأدوية في أوربا ولا زالت هذه الموسوعة إلى حد الآن تستخدم في العديد من الدول.


بحيث يعتبر الكندي أول من وصف طريقة استخلاص الكافور والذي يستخدم في العديد من المركبات الطبية وكذلك أول من وصف العقاقير لعلاج مرض الصرع وقام بوصف كيفية حدوث مرض الصرع ولماذا يحدث. كما أسس الكندي وجابر بن حيان صناعة العطور وأجرى أبحاثا وتجارب واسعة في هذا الأمر فالكندي يعارض أفكار الخيمياء، إذ يفرق بين الدراسة العلمية للعناصر في علم الكيمياء وبين تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة.


وفي علوم البصريات اعتمد الكندي على تأمل تنقل الضوء وحركته بين الأجسام الشفافة والمعتمة ويرى أن الحزم الضوئية تخرج من العين إلى الجسم المنظور وهي نفس نظرية أقليديس. إلى أن أتت أدلة ابن الهيثم القاطعة لتعارض نظرية الكندي دون إنكار لفضله في السبق.


وفي الفلك اتبع الكندي نظرية بطليموس حول النظام الشمسي وقد استند في مراقبته لحركات الكواكب والشمس والقمر إلى الرياضيات في تقديم نظرياته في الهندسة الكروية، لكنه ينكر تأثر أحوال الناس بحركة الكواكب حول الأرض مخالفا في ذلك بعض العلماء ممن سبقوه، فهو يفرق بين التنجيم والفلك إذ يصف التنجيم بفساد العلم. وقد تحدث عن كروية الأرض في زمن لم يكن أحد يقبل بهذا الحديث، وهذا كله بسبب أنه يطلق لنفسه حرية التفكير وهذا الأمر مهم جدا فالحرية المطلقة في التفكير تجعل الإنسان يضع يده على مناطق مجهولة والتي يبتعد عنها الناس لأن التفكير فيها يؤدي إلى التهلكة.


وفي تقسيمه للعلوم رفع الرياضيات على الطبيعيات ففي رأي الكندي أن الرياضيات تبحث في المجرد في حين الطبيعيات تبحث في الأجسام. نجح الكندي في ربط العلوم المختلفة بعلمه الأول الفلسفة والمنطق إذ لا يستغني علم لديه عن بقية العلوم كما لا تستغني العلوم جميعها عن الفلسفة، بمعنى أنه لا يمكن أن يفهم علم من العلوم بمعزل عن العلم الآخر ففهم العلوم ضروري لتطورها وبالتالي لا يمكن أن يتطور علم بمعزل عن العلم الآخر وأدرك كفيلسوف اجتماعي دور العلوم في المجتمع.


المحن والصعاب التي حلت على الكندي واتهامه بالتحرر الفكري


عصفت بالكندي عدة محن خصوصا في زمن المتوكل الذي اتهمه بالتحرر الفكري حتى صادر جميع كتبه لفترة من الزمن، وكان هذا بسبب بغض وحسد بعض العلماء من الكندي حيث أرادوا أن يزيحوه من الطريق وأن ينزلوه من المكانة التي حظي بها. فلم يجدوا من وسيلة إلا أن يوهموا المتوكل أن الكندي من المعتزلة ومن المعروف أن فرقة المعتزلة كانت من أكثر الفرق عقلانية وذلك لأنهم وجدوا آراء الكندي وأفكاره فيها حرص على العقائد الإسلامية أكثر من الفلاسفة الآخرين مثل رسالة تثبيت التوحيد والعدل والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل التوحيد والعدل. فانتهى الأمر إلى جمع كتبه وحرقها ولو أنه في النهاية تدارك الخليفة خطأه وعفى عن الكندي.


انتقلت الكثير من مؤلفات الكندي إلى العالم الأوربي ومع الأسف لم يأخذ الكندي حقه عند الدارسين الغربيين لأسباب عديدة. ولا زال الأمل قائما على أن يلقى الكندي اهتماما من المشتغلين بتاريخ العلم والفلسفة وأن يعطى التقويم اللائق به في تاريخ تطور العلم الإنساني والحضارة الإسلامية.


وفاة الكندي العالم الجليل مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية


وتوفي الكندي في عهد الخليفة المعتمد سنة 256 هـ/ 873 م، تاركا خلفه العديد من الكتب والرسائل التي تأرجحت ما بين 230 إلى 300 كتاب ورسالة تنوعت موضوعاتها بين الفلسفة والمنطق والهندسة والفلك والطب والصيدلة والكيمياء.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الفلاسفة المسلمين يعقوب بن إسحاق الكندي أبو الفلسفة العربية والذي جعل الفلسفة في متناول المثقفين المسلمين من بعده. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.



كتابة تعليق