فاطمة الفهرية أم البنين المرأة التي أسست أقدم جامعة في التاريخ

+ حجم الخط -

فاطمة الفهرية اسم يكاد لا يخفى عن مسامعنا، مؤسسة أول جامعة في التاريخ باعتراف من اليونسكو. ورثت عن أبيها مالا كثيرا فخصصته لبناء جامع كبير ليكون لها ولوالدها صدقة جارية وعملا إنسانيا ينتفع به الناس، فأصبح مع الوقت جامعة درست فيها شخصيات شهيرة وقامات علمية كبيرة.


فاطمة الفهرية أم البنين المرأة التي أسست أقدم جامعة في التاريخ
فاطمة الفهرية أم البنين المرأة التي أسست أقدم جامعة في التاريخ


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هي امرأة سطرت اسمها بأحرف من ذهب في تاريخ الأمة الإسلامية، أرادت أن تبني مسجدا فكان أكثر من مسجد إذ تحول إلى جامعة صنفها كتاب غينيس للأرقام القياسية كأول جامعة عرفتها البشرية.


تخرج من هذه الجامعة عدة علماء من أبرزهم الإدريسي وابن خلدون وليون الإفريقي وموسى بن ميمون والبابا سلفستر الثاني وعلال الفاسي وأحمد الريسوني ومحمد بن عبد الكريم الخطابي. فكما كان دور إدريس الأول ومن بعده إدريس الثاني في تأسيس دعائم الدولة السياسية فكذلك كان دور هذه المرأة في التأسيس للدعائم العلمية والفكرية للدولة من خلال تأسيسها لجامع القرويين. فضيفنا لهذه المقالة هي فاطمة الفهرية.


ميلاد فاطمة الفهرية ونسبها هجرة من القيروان إلى فاس


فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية هي امرأة مسلمة عربية لقبت بأم البنين، تعود أصولها إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري القرشي فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان. وهي شخصية تاريخية خالدة في ذاكرة مدينة القيروان في تونس ومدينة فاس في المغرب والتاريخ التونسي والمغربي.


فقد حفل التاريخ الإسلامي بذكر عدد من النساء اللواتي تركن بصماتهن بأعمالهن العظيمة ومواقفهن المشهودة، فقد أتاح الإسلام للمرأة الآفاق الرحبة للعطاء والبذل وأعطاهن حقهن للمشاركة في مسؤوليات المجتمع وواجباته حتى تكون المرأة شقيقة الرجل بحق في النهوض بالأمة الإسلامية وتربية أجيالها الناشئة. وكان من بين من ذكرهن التاريخ الإسلامي نساء مسلمات كن رائدات فيما تميزن به من أعمال ومن بين تلك النساء نجد فاطمة الفهرية.


ولدت فاطمة الفهرية سنة 184 هـ/ 800 م وهاجرت من القيروان عاصمة إفريقية أي تونس حاليا إلى فاس عاصمة الأدارسة في المغرب. وأسست مسجدا تحول تدريجيا إلى جامعة تدرس العلوم بشتى أنواعها وتخرج كبار العلماء حتى بلغ إشعاعها إلى أوربا في القرون الوسطى.


إذ ذكرت فاس المدينة التاريخية التي أسسها إدريس الثاني في عهد الدولة الإدريسية وذكر جامع القرويين، وجامع القرويين نسبة إلى المهاجرين من القيروان الذين سكنوا أحد أكبر أحياء فاس في أول عهدها وهو عدوة القرويين. وكان من بين هؤلاء المهاجرين فاطمة بنت محمد الفهرية التي قدمت من تونس إلى عاصمة الدولة الإدريسية مع والدها الفقيه القيرواني محمد بن عبد الله الفهري وأختها مريم.


فاطمة أم البنين المرأة التي أسست أقدم جامعة في التاريخ


نزحت فاطمة الفهرية مع العرب النازحين من مدينة القيروان موطنها الأصلي إلى أقصى المغرب، ونزلت مع أهل بيتها في عدوة القرويين زمن حكم إدريس الثاني حتى تزوجت هناك. ولم يمضي زمن طويل حتى توفي والدها وزوجها فورثت عن والدها ثروة طائلة شاركتها فيها أختها مريم بنت محمد الفهري التي كانت تكنى بأم القاسم.


لم يكن لمحمد بن عبد الله الفهري من الأولاد سوى بنتين هما فاطمة ومريم فأحسن تربيتهما حتى كبرتا فلما مات ورثته ابنتاه ورأتا ضيق المسجد بالمصلين فأحبتا أن تخدا ذكرى والدهما بخير ما درج عليه المسلمون باتخاذ المساجد سلما للمجد. فعمدت فاطمة الفهرية إلى مسجد القرويين فأعادت بناءه مما ورثته من أبيها وزوجها في أول رمضان سنة 245 هـ/ 859 م، وضاعفت حجمه بشراء الحقل المحيط به من رجل من هوارة وضمت أرضه إلى المسجد وبذلت مالا جسيما برغبة صادقة حتى اكتمل بناؤه في صورة بهية وحلية رصينة.


لا تسعفنا المصادر التاريخية القليلة بذكر الكثير من التفاصيل عن حياة فاطمة سوى ما ذكره المؤرخ ابن أبي زرع الذي عاش في القرن 14 م. خاصة وأن القرويين تعرض لحريق كبير عام 1323 م قضى على كل الوثائق المحفوظة فيه، ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي في رسالته لنيل الدكتوراه أن :


حفر أساس مسجد القرويين والأخذ في أمر بنائه الأول كان بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول وأن أم البنين فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه وظلت صائمة محتبسة إلى أن انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله.


ولم تزل أم البنين تفكر في أمرها حتى هداها تفكيرها إلى ضرورة استثمار هذا المال استثمارا حقيقيا. تحرك في دواخلها ضميرها المؤمن الحي الذي بني على دعائم إسلامية خالصة لما تميزت به صاحبته من زهد وورع وعقدت العزم على بناء مسجد يكون ذخرا لها بعد موتها وصلة ببنيها مع أهل الدنيا وليظل عملها بعد موتها مستمرا، عملا بقول المصطفى الهادي صلوات الله وسلامه عليه :


إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.


إرث حضاري حصاد 18 عاما من الصوم والبناء ثورة فاس العلمية 


وبدأت فاطمة الفهرية في اتخاذ الخطوات الأولى في البناء واشترت أرضا بيضاء بالقرب من منزلها بالقرويين ودفعت لصاحبها بسخاء حتى إذا شرعت في البناء عقدت العزم على ألا تأخذ ترابا أو مواد بناء من غير الأرض التي اشترتها بحر مالها. وطلبت من عمال البناء أن يحفروا حتى أعماق الأرض المزمع إقامة البناء عليها فأخذوا يستخرجون من أعماقها الرمل والأحجار والجص ليستخدموه في البناء، وهي بذلك تهدف إلى عدم وجود أي شبهة تشوب مشروع تشييد البناء في المسجد.


ومع أول أيام البناء أصرت على بدء الصوم ونذرت ألا تفطر يوما حتى ينتهي العمل فيه، بدأ الحفر لإنشاء بئر من أجل شرب البنائين ولاستخدام الماء أيضا في أعمال البناء. ثم عمدت بعد ذلك في حفر بناء أساس وجدران المسجد وقامت بنفسها بالإشراف على أعمال الأساسات والبناء فجاء المسجد فسيح الأرجاء محكم البناء وكأن فاطمة عالمة بأمور البناء وأصول التشييد لما اتصفت به من مهارة وحذق.


فبدا واضحا شكل المسجد في أتم رونق وأزهى صورة وأجمل حال وبهاء، حتى إذا انتهى العمل وتم البناء كان أول رمضان سنة 245 هـ، فصلت فاطمة صلاة شكر لربها على فضله وامتنانها لكريم رزقه وفيض عطائه الذي وفقها لبناء هذا الصرح الذي عرف بجامع القرويين. ومثلما نحتت فاطمة الفهرية هذا العمل سبيلا نجد أختها مريم أم القاسم تمشي على نفس الدرب فأنشأت مسجدا عرف باسم جامع الأندلس، ولا زال جامع القرويين إلى جوار جامع الأندلس يؤديان الدور المنوط بهما في نشر الإسلام والعلوم.


كانت نية أم البنين صادقة لوجه الله في بناء مسجد أسس على الصدق والتقوى والضمير الحي فأضحى مسجدا للورع والصلاح وأصبح جامع القرويين الشهير أول معهد ديني وأكبر كلية عربية في بلاد المغرب الأقصى. ويرى بعض المؤرخين هذا الجامع أول جامعة عربية إسلامية في البلاد المراكشية وبذلك تصبح السيدة فاطمة بيت محمد الفهري القيرواني المعروفة بأم البنين الفهرية هي مؤسسة أول جامعة عربية إسلامية في هذه البلاد، يقول عنها ابن خلدون في مقدمته :


فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها، وهذا فضل يؤتيه لمن يشاء من عباده الصالحين.


فسبحانه وتعالى إذا أراد لأمة الرقي والرفعة وأذن لها بالسعادة الغامرة أيقظ من بين أفرادها رجالا ونساء شبانا وشيوخا، أيقظ فيهم وجدانا شريفا وشعورا عاليا يدفعهم للقيام بصالح الأعمال وأشرفها وما كان من أجل الدنيا والآخرة. ويقول الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه جامع القرويين :


لقد دخلت فاطمة التاريخ بفعلها هذا بالرغم من أننا لم نجد لها ولا لولدها أثرا في معالم القيروان ولا في أعلام فاس، فإن عملها هذا كان كافيا لتسجيلها في عداد الخالدين والخالدات.


وفاة أم البنين تاركة خلفها إرثا حضاريا يجتذب السائحين


وتوفيت السيدة فاطمة الفهرية سنة 265 هـ/ 878 م، تاركة خلفها كنزا سيظل إشعاعه مستمرا على العالم الإسلامي لمدة قرون من الزمن بعدها وتكونت بذلك أجيال من العلماء الفطاحل الذين طبقت شهرتهم الآفاق. وكل هذا الفضل يرجع لامرأة نبيلة عظيمة جعلت لاسمها امتدادا عبر الأجيال.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الشخصيات التي تركت بصمة في تاريخ الفكر الإنساني حيث كانت شاهدة على بناء أول جامعة في بلاد المغرب الأقصى وفي تاريخ البشرية وهي السيدة فاطمة الفهرية. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.





كتابة تعليق