الإمام أحمد بن حنبل ناصر السنة وإمام أهل السنة والجماعة

+ حجم الخط -

الإمام أحمد بن حنبل صاحب الاجتهاد العظيم والورع والزهد والمكانة ومؤسس المذهب الحنبلي. هو أحد فقهاء المسلمين ورابع الأئمة عند أهل السنة، اشتهر بعلمه الغزير وحفظه القوي وعرف بأخلاقه الحسنة والسامية فأمثاله في التاريخ نوادر.


الإمام أحمد بن حنبل ناصر السنة وإمام أهل السنة والجماعة
الإمام أحمد بن حنبل ناصر السنة وإمام أهل السنة والجماعة



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا في هذه المقالة هو علم من أعلام الحديث وإمام من أئمتهم ويعتبر إمام أهل السنة والجماعة، تعرض خلال حياته للكثير من المحن والصعاب لكنه ظل صامدا وواجهها بقوة إيمانه وصلابة عقيدته. تتلمذ على يد الإمام الشافعي وأخذ عنه فأصبح في سن صغيرة إماما للفقه والحديث ومن أبرز تلاميذه الإمام البخاري والإمام مسلم. فضيفنا لهذه المقالة هو الإمام أحمد بن حنبل.


مولد ونشأة أحمد بن حنبل وتعليمه على يد الإمام الشافعي


ولد أحمد بن حنبل في شهر ربيع الأول من سنة 164 هـ/ 780 م ببغداد، وقد توفي والده وهو في الثالثة من عمره فكفلته أمه صفية بنت ميمون بنت عبد الله الشيباني. التحق أحمد بن حنبل بالكتاب وهو صغيرا فعرف بذكائه وحسن أدبه ثم إلى الديوان وهو ابن 14 سنة وطلب الحديث في 16 من عمره. وقد تتلمذ على يد العديد من أئمة الفقه والحديث ومن أبرزهم الإمام الشافعي، حيث التقى به حين رحل أحمد بن حنبل إلى الحجاز وهناك أخذ عنه الفقه وأصوله.


كان لقاؤه بالشافعي بعد ذلك في بغداد عندما جاء الشافعي إليها وقد استقر معه في بغداد 3 سنوات، في هذه الفترة درس أحمد فقه الرأي دراسة فاحص ناقد يوازن بين ما انتهى إليه من علم الحديث وما وصل إليه أولئك الفقهاء من تفريع فقهي، فاختار طريق الصحابة والتابعين وإن كان قد أخذ شيئا من فقه الرأي. تعلم من الشافعي ضوابط الفهم الصحيح للكتاب والمقابلة بين الأصول ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وبعبارة عامة تعلم منه كيف يكون الاستنباط وكيف يستخرج أحكام الفروع من مصادر الشرع الأولى.


عرف الإمام أحمد بن حنبل بقوة إيمانه وبحبه لله ورسوله وزهده في الحياة ولم يكن في زمانه مثله في العلم والورع. كان أحمد من أخيار الناس وأكرمهم نفسا وأحسنهم عشرة وأدبا معرضا عن القبيح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بشر به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدا وكانوا يكرمونه ويعظمونه. وكان نورا لأهل زمانه بعلمه وخلقه وورعه وصبره وقوة احتماله واستهانته بالأذى في سبيل ما يعتقد، وتكفي شهادات الناس له في كافة مراحل حياته بالفضل وبإجماعهم على علو مكانته. يقول عنه الإمام الشافعي :


أحمد إمام في ثماني خصال : أمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الفقر، إمام في الورع.


ويقول أيضا :


خرجت من بغداد وما خلفت أورع ولا أتقى وأفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.


حياة مليئة بالصعاب واجهها الإمام بصلابة محنة خلق القرآن


خلال حياته مر أحمد بن حنبل بعدة محن كانت بدايتها في عهد المأمون، حيث استطاع الإمام أحمد بإيمانه الصادق وصلابته في الحق أن يهزم المعتزلة التي ادعت خلق القرآن واتخذوا الخليفة المأمون أداة لنشر بدعتهم وترويج ضلالهم. فقد أزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل وحسنوا له قبيح القول بخلق القرآن فصار إلى مقالتهم، وقد استدعى المأمون جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث ودعاهم إلى ذلك فامتنعوا. ولما استعصى على المأمون التأثير على الإمام أحمد بن حنبل في ميدان الحجة والإقناع أمر بأن يكبل بالأغلال، وبينما هو في الطريق إليه وصلهم خبر وفاة المأمون فرد الإمام أحمد إلى بغداد وحبس هناك.


ثم تولى الخلافة من بعده المعتصم وقد استمر على هدي أخيه وقد قام بتعذيب الإمام أحمد ليقول بكلام المعتزلة بأن القرآن مخلوق، ويستمر الضرب وتزداد شدته حتى يقع الإمام أحمد على الأرض في غيبوبة لا يدري ما يفعلون به. وقد دامت مدة حبسه 30 شهرا وهكذا واجه الإمام أحمد بن حنبل المحنة في صبر جميل وشجاعة نادرة يقول أحد جلاديه :


ضربت أحمد بن حنبل 80 سوطا لو ضربته فيلا لهدمته.


وقد تولى الواثق الحكم بعد المعتصم ولم يتعرض للإمام أحمد وقد رأى أن التعذيب لا يفيد فيمن كانت إرادته من حديد، وقد أمر الواثق أن يكتب على المساجد لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق، ومنع أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد وظل الإمام أحمد متخفيا عن الواثق حتى مات. وفي عهد المتوكل خلف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق وطعن فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن ونهى عن الجدال والمناظرة في هذا الأمر وعاقب عليه وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة وأمات به البدعة وأنار به تلك الظلمة وأطلق من اعتقلوا بسبب القول بخلق القرآن ورفع المحنة عن الناس فاستبشر الناس بولايته.


كان الإمام أحمد لا يقبل منصبا ولا جاها ولا طعاما فاخرا ولا مسكنا شاهقا وكان يتصدق بعطايا السلطان، فعظمت مكانة الإمام أحمد لدى الخليفة المتوكل وكان يشاوره ويستشيره في عدة أمور وهكذا خرج الإمام أحمد من الاختبار رجلا صالحا. وقد كان لليتم فضل في صبره على أذى أعدائه فهو الذي حرم حنان الأب وعطفه ونشأ مسؤولا من صغره، ورث الذكاء عن والده الذي كان في مكانة مرموقة وعن أمه السيدة الفاضلة.


انتشار المذهب الحنبلي بشكل واسع تفرغ الإمام لبيان العقيدة السلفية


انتشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل في بغداد انتشارا واسعا وكان من تلامذته الإمام البخاري والإمام مسلم. لم يكن أحمد بن حنبل من الرجال الذين عكفوا على دراسة الملل والنحل والفرق المختلفة ومجادلتهم، ولم يكن ممن يهتمون بالدراسات العقلية غير مستندة إلى أصل من كتاب أو سنة. وعكف على دراسة السنة وحدها وعلم الدين وفقهه عن طريق المأثور عن الرسول الكريم ﷺ بينما كانت تجري قريبا منه معارك الجدل الكلامي في العقائد.


لكنه تحاشى الخوض في هذه الأمور وتجرد لبيان العقيدة السلفية من غير جدال، فقد كان سلفيا في آرائه العقدية وفي فقهه، وقد كانت في ذلك العصر تثار مسائل متصلة بالعقائد الإسلامية تثيرها كبار الفرق الكلامية وينشرونها بين جماهير المسلمين. ومن هذه المسائل : مسألة القضاء والقدر، ومسألة أفعال الإنسان، ومسألة مرتكب الكبائر، ومسألة الصفات، ومعها مسألة المسائل التي شغلت ذلك العصر وهي مسألة خلق القرآن، وتبعها مسألة رؤية الله.


وكان موقف الإمام أحمد بن حنبل من هذه المسائل بما أنه يأخذ بالنصوص ولا يجري فيها تأويلا، فإنه يرجئ أمر مرتكب الكبائر إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وهو يؤمن بالقدر خيره وشره ويفوض أمره لله، وهو يثبت كل الصفات التي وصف بها الله نفسه في الكتاب وفي الحديث. ويرى بأن القرآن هو كلام الله وهو يؤمن برؤية الله يوم القيامة إيمانا كاملا، ولقد كان مسلك أحمد في دراسته لبعض النواحي المتصلة بالسياسة رجلا يتبع الأثر.


ففي شأن الخلافة والخليفة وممن يختار وكيف يختار كان رجلا واقعيا يتجنب الفتن ويجتهد في أن يكون شمل المسلمين ملتئما، ويؤثر الطاعة لإمام متغلب ولو كان ظالما على الخروج عن الجماعة. أما بالنسبة للصحابة فهو يجلهم ويرى أن من يسب أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ مشكوك في إسلامه أو ليس من أهل الإسلام. وكان ينهى أحمد بن حنبل أصحابه وسامعيه عن كتابة غير الحديث وكان يرى في أول أمره أن كتابة غير الحديث بدع من الناس لأنه كان يخشى انصراف الناس عن علم الحديث والآثار إذا دونت آراء الفقهاء.


فيتدارسون كلامهم في الفروع وما استخرجوه من حلول للمسائل التي تقع ويستغنون بذلك عن علم الحديث ومتابعة الرواية وتتبع الأثر، وكأنه كان يتوقع ما حدث للناس من بعد ويخشاه. ولقد كان يرى أن الفقهاء يختلفون في تخريجاتهم الفقهية ونظراتهم فلو دون كل ذلك لكان الناس في حيرة في نظره لأن هذا العلم في نظره دين وما يجب أن يكون دين الله متجزئ وأقوالا متفرقة وآراء متضاربة، ولكنه اضطر في آخر أمره أن يجيز كتابة فتاويه ونشرها. وقد بنى الإمام أحمد بن حنبل مذهبه على 5 أصول وهي :


  1. الاعتماد على النص وعدم الالتفات إلى ما خالفه؛
  2. الاعتماد على ما أفتى به الصحابة؛
  3. إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة؛
  4. الأخذ بالحديث المرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛
  5. القياس إذا لم يكن عند الإمام في المسألة نص ولا قول الصحابة ولا أثر مرسل أو ضعيف؛

وفاة الإمام أحمد اليوم الذي أسلم فيه الآلاف من الناس


وتوفي الإمام أحمد بن حنبل صباح يوم الجمعة 12 من ربيع الأول سنة 241 هـ/ 855 م عن سن 77، مخلفا وراءه عدة مؤلفات من بينها : كتاب المسند، وكتاب أصول السنة، وكتاب العقيدة، وكتاب الزهد، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة. وقد دفن في مقابر الشهداء في حي الحربية ببغداد، ويروى أنه أسلم يوم وفاة أحمد بن حنبل 10 ألاف من اليهود والنصارى والمجوس.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز أئمة الفقه والحديث الإمام أحمد بن حنبل وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.




كتابة تعليق