إمام المتكلمين أبو الحسن الأشعري نقطة تحول في الفكر الإسلامي

+ حجم الخط -

أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة هو صاحب المذهب الأشعري أحد أشهر المذاهب الإسلامية إذ يقوم فكره العقدي السني على التوفيق بين العقل والنقل. لقب بإمام المتكلمين فبعد أن كان في أول أمره متبعا للمذهب الاعتزالي تحول عنهم وأسس مذهبه الجديد الذي يعتبر نقطة تحول في الفكر الإسلامي.

 

إمام المتكلمين أبو الحسن الأشعري نقطة تحول في الفكر الإسلامي
إمام المتكلمين أبو الحسن الأشعري نقطة تحول في الفكر الإسلامي



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا لهذه المقالة هو مؤسس إحدى أشهر الفرق الكلامية والتي تضاهي في شهرتها فرقة المعتزلة. هو حفيد أحد أشهر الصحابة وقد كان في أول فترة حياته معتزلا بل كان أحد أشهر أئمتهم، لقب بناصر الدين وإمام المتكلمين وناصر السنة، إذ تحول عن مذهب المعتزلة وصار يطعن في معتقداتهم وفي منهجهم منتصرا لأهل السنة والجماعة، فضيفنا لهذه المقالة هو أبو الحسن الأشعري.


مولد وتعليم أبو الحسن الأشعري نشأة في كنف المذهب الاعتزالي


هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري اليمني وهو من أحفاد أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل. ولد في البصرة سنة 260 هـ/875 م، كان والده من أهل السنة والجماعة كما كان محدثا، وتوفي والد الأشعري وأبو الحسن ما زال في سن تلقي دروسه الأولى مما زاده دفعا في تلقي العلوم من علوم القرآن الكريم والحديث واللغة والفقه.


أخذ عن الساجي والجمحي والمقبري والضبي والمروزي، وأخذ عن أبي علي الجبائي كبير المعتزلة وكان هذا الأخير قد تزوج والدته، فأخذ عنه الأشعري خاصة المسائل العقلية التي اشتهر بها الجبائي. وبقي ينهل في فكر المعتزلة حتى الأربعين من عمره إذ طرأ تحول في حياته جعله يترك الاعتزال والكشف عن مذهب أهل الحق، والسبب في رجوعه رؤية في منامه مفادها أنه رأى النبي ﷺ فقال له :


 يا علي انصر المذاهب المروية عني فإنها حق 


ثم تكررت هذه الرؤية حتى غاب عن الناس في داره 15 يوما، ثم خرج بعدها إليهم معلنا رجوعه عن مذهب الاعتزال على منبر الجامع، وخلع ثوبه مشيرا إلى براءته من عقيدة الاعتزال، ودفع للناس ما كتبه عن طريق الفقهاء والمحدثين وكان هذا عام 300 هـ. اختلف في مذهبه الفقهي إلى عدة أقوال فهناك من يقول أنه شافعي وهناك من يقول أنه مالكي وهناك من يقول أنه شافعي ومالكي.


إن الجانب العقدي في العلوم الشرعية لم يكن له الحضور القوي فيها كحالة متقدمة، وإنما مسائل متفرقة في جوانب محددة. والسبب في ذلك أن الجيل الأول كان متمعنا بالقرآن الكريم والهدي النبوي وحديث العهد بالنبوة مع الإشارة بالابتعاد عن الجدل إضافة إلى البعد عن الخلافات التي لا مكان لها أصلا.


لكن عندما بعدت المسافات في انتشار رقعة الإسلام واجه كثيرا من المعضلات العقلية خاصة مع أقوام مولعة بعلم الجدل والفلسفة والمنطق، مع رسوخ لعقائد سالفة وأهواء منتشرة وترجمات متعددة لحضارات. ثم إن وقوع الخلافات السياسية والعسكرية أفرز معتقدات تناقض بعضها البعض، فأوجدت مجموعة من الأفكار تبلورت في مذاهب عقدية فكانت النزعة الأولى الخوارج ثم التشيع والاعتزال والإرجاء والقدرية وأهل الحديث.


عاشت بغداد على وجه الخصوص هذه الإشكاليات باعتبارها حاضرة الدولة الإسلامية وعاصمة الخلافة وتعج بالأفكار الهدامة وسواها. ومن المشهور تاريخيا الحضور لهذه الفرق بالتأييد السياسي الذي كان يظهر من قبل الأمراء والخلفاء وربما طالت الفترة أو قصرت. ثم إن كثيرا من العلماء تعرضوا للإيذاء من قبل هؤلاء بسبب المخالفة ومنها مسألة خلق القرآن وغيرها.


محاولة التوفيق بين العقل والنقل كيف تحول عن مذهب الاعتزال


مما لا شك فيه أن الأشعري كان في الطور الأول من حياته معتزليا ثم بعد ذلك رجع عن هذا الاعتزال واختلف في هذا الرجوع. فهناك من جعله يرجع عن الفروع ويبقى على الأصول، وهناك من جعله يتبع السلف الصالح وأهل الحديث، وهناك من جعله يقوم على منهج التوسط بين أهل الحديث والمعتزلة.


ففي عهد المتوكل تخلت السلطة الحكومية عن نصرة المعتزلة، وأغلب الناس يمالئون الحكومة أينما كانت ويخافون أن يعتنقوا مذهبا لا ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال. فإسراف المعتزلة في تمجيد العقل كان له دور في ذلك، لأن إسراف المعتزلة في اعتمادها على العقل في تأويلها العقلي للنصوص المخالفة لآرائها وتوغلها في قضايا الفلسفة والمنطق، جعلها تبتعد عن الغاية الرئيسية للهدف الذي سخرت نفسها من أجله.


كل ذلك ولد في الأشعري رد فعل جعله يتجه إلى الأخذ بالنصوص النقلية مطوعا العقل في خدمتها، وكانت رغبة الأشعري بأن يجمع بين الفقهاء والمحدثين وبين أهل الكلام، رغبة منه في جمع الكلمة بعد اشتداد العداوة بين أهل الحديث وأهل الكلام. فقاده فكره إلى التحول عن الاعتزال مع استفادته منهم في بعض المسائل وانضمامه لأهل الحديث.


وهو يبين كل هذا في كتابه وهو الأشهر له على الإطلاق كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" يعلن فيه بصريح العبارة أنه من أتباع أحمد بن حنبل وأن منهجه هو التمسك بكتاب الله وبسنة نبيه ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. ويورد فيه رده على ما خالف به المعتزلة والقدرية والجهمية والرافضة وغيرها من الفرق.


فهو يقول بأن الجنة والنار حق وليس كما قالت بعض الفرق أن العذاب والنعيم في الآخرة سيكون نفسيا وروحيا، ويقول بأن الله يبعث الأجساد من جديد يوم القيامة وهو يثبت كل الصفات لله عز وجل عكس بعض الفرق التي تنفي هذه الصفات. ويعرض عن كون كلام الله مخلوق وأن الأشياء تكون بمشيئة الله بما في ذلك الخير والشر وأن المخلوق لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يشاء الله.


وأن أعمال العباد مقدرة وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، فالخير والشر بقضاء الله وقدره ويقر بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار من طرف المؤمنون وأن الكافرين محجوبون عنه. ويقول أن من عمل كبيرة من الكبائر مستحلا لها كان كافرا ويثبت الشفاعة لرسول الله ﷺ ويشهد بالجنة للعشرة الذين شهد رسول الله ﷺ بها لهم، ويصدق بحديث المعراج وبكل علامات الساعة.


وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين، ولم يهديهم، ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف يهم أو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين وخذلهم وطبع على قلوبهم. وفي كتابه الإبانة عن أصول الديانة يقول :


 أما بعد، فإن كثيرا من الزائغين عن الحق، من المعتزلة وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين وخالفوا روايات الصحابة -رضي الله عنهم- عن النبي ﷺ في رؤية الله بالأبصار. وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار، وتتابعت بها الأخبار... إلخ 


مؤلفات الإمام الأشعري وأبرز ما قاله أشهر العلماء عنه


ترك أبو الحسن الأشعري عدة مؤلفات زادت عن التسعين ومنها : مقالات الإسلاميين وكتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع وكتاب الفصول وكتاب في خلق الأفعال وأخيرا كتاب الإبانة عن أصول الديانة. وكان للأشعري عدة تلاميذ من أشهرهم : أبو الحسن الباهلي وعبد الله بن مجاهد البصري والطبري.


ومن ضمن ما قاله العلماء عنه نجد الذهبي يقول :


 كان خارقا في الذكاء وقوة الفهم. ولما برع في معرفة الاعتزال، كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة، ويهتك عوراتهم 


وقال القاضي عياض رحمه الله :


 وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته وقدم كلامه وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط والميزان والشفاعة والحوض وفتنة القبر التي نفتها المعتزلة وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية ودفع شبه المبتدعين ومن بعدهم من الملاحدة والرافضة وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة 


وقال الباقلاني :


 أفضل أحوالي أن أفهم كلام الشيخ أبي الحسن، وكان لا يتكلم في علم الكلام إلا حيث وجب عليه نصرة الحق 


وقال الخطيب البغدادي :


 أبو الحسن الأشعري المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملاحدة والجهمية وغيرهم من المعتزلة والرافضة والخوارج وسائر أصناف المبتدعة 


وليس من العجيب أن ينبري عالم يدافع ويذب عن عقائد أهل الحق بإظهار الفكر المستقيم المؤيد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وآراء التابعين كأمثال أبي الحسن الأشعري صاحب كتاب الإبانة عن أصول الديانة كاشفا فيه وسواه عم معتقد أهل السنة والجماعة.


يعتبر كتابه هذا من الكتب العقدية المهمة والأولى، إذ قدم الأشعري أسسا تثبت أساس التوحيد وقدرة الخالق على الخلق والإيجاد بأسلوب يعرض فيه مواقف الخصوم من كافة الاتجاهات من أهل الزيغ والبدع والفسق والفجور، ثم عرض رأي أهل الحق مع إثباته بالأدلة النقلية. ومن أبرز الفرق الكلامية نجد المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة والخوارج والرافضة وأخيرا الأشاعرة نسبة إلى مؤسسها أبو الحسن الأشعري.


وفاة الإمام الأشعري بعد أن أبطل جميع أسباب الخلاف والفرقة


توفي أبو الحسن الأشعري سنة 324 هـ/936 م كما هو معروف ببغداد، ثم إن قبره طمس خوفا عليه من النبش وهكذا ترك مدرسة تربى عليها الكثير من العلماء على مر العصور. وبعد وفاته بفترة يسيرة استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بويه، ولكن الإمام أبو بكر الباقلاني قام في وجههم وقمعهم بحججه، رحمة الله عليهم.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز الشخصيات الكلامية ومؤسس الفرقة الكلامية الأشهر على الإطلاق الأشاعرة. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.



كتابة تعليق