أبو بكر الرازي العالم الموسوعي وأعظم أطباء الإنسانية

+ حجم الخط -

أبو بكر الرازي العالم الموسوعي الذي أثبت براعته في العديد من العلوم كالفيزياء والكيمياء والموسيقى والرياضيات والفلسفة والطب. هو أحد أكبر العلماء والأطباء المسلمين وأعظم أطباء الإنسانية، لقب بجالينوس العرب إذ كان يعد المرجع الأساسي لأغلبية الحالات المرضية الصعبة والمستعصية فهو أول من دعا إلى تطبيق المنهج التجريبي في الطب.



أبو بكر الرازي العالم الموسوعي وأعظم أطباء الإنسانية
أبو بكر الرازي العالم الموسوعي وأعظم أطباء الإنسانية



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أتمنى أن تكونوا بخير وبصحة جيدة. ضيفنا لهذه المقالة هو أمير الأطباء وأعظم طبيب أنجبته الحضارة الإسلامية، اشتهر بلقب غالينوس العرب وكان أول من دعا إلى ما يعرف اليوم بالطب التجريبي، فمنهجه في الطب يقوم على الملاحظة والتجربة. وصف كثيرا من الأمراض بالتفصيل وكذلك العديد من الحالات السريرية، كما توصل إلى صنع العديد من الأدوية والعقاقير، فحرصه على إيجاد شفاء للناس دفعه إلى بذل كل جهده وماله وعلمه في سبيل هذا، فضيفنا لهذه المقالة هو أبو بكر الرازي.


مولد الرازي ونشأته وكيف أصبح الطبيب الأشهر في البلاد


الرازي أو رازيس Rhases كما سمته بلاد الغرب، هو أبو بكر محمد بن يحيى بن زكرياء الرازي الملقب بغالينوس العرب. ولد سنة 250 هـ/864 م بالري في خرسان ببلاد فارس، شغف في بدء حياته بالموسيقى وكان يعزف على آلة العود بمهارة لكن حلمه كان هو دراسة الطب، فانطلق سعيا وراء تحقيق طموحه وتوجه إلى بغداد مدينة السلام قصد التعلم والدراسة.


درس الطب على يد أحد تلامذة حنين بن إسحاق فتعلم فن العلاج الإغريقي والفارسي والهندي والعربي الحديث العهد، وعندما أتم دراسته عاد إلى بلدته الأم ليشرف على أحد المستشفيات هناك وهو ما كان يعرف بالبيمارستان وأصبح طبيبا خاصا في قصر الخليفة. فلم يمضي وقت طويل حتى ذاعت شهرته في البلاد فأصبح له العديد من التلاميذ والطلاب الذين أتوه من كل أطراف الإمبراطورية رغبة منهم في تلقي المعرفة وتعلم فنون المعالجة والكشف والمعاينة الطبية.


كثيرون هم الذين حملوا لقب الرازي نسبة إلى مدينة الري بخرسان في بلاد فارس، تلك المدينة التي عرفت بكثرة علماءها وامتزاج الثقافة العربية الإسلامية بحضارة الفرس. ولعل أشهر هؤلاء العلماء هو أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الذي يعد من أكبر أطباء العرب إن لم يكن أعظمهم، فهو طبيب له إبداعات متعددة وله كتب متعددة في ميدان الطب والفلسفة وفي مختلف الميادين المعرفية.


أبو بكر الرازي العالم الموسوعي طبيب مسلم لن يحدثك عنه الغرب


يرى أبو بكر الرازي أنه لكي تصبح طبيبا جيدا يجب أن تدرس أولا الكتب الطبية القديمة والحديثة، وثانيا أن تذهب إلى المستشفيات لتعاين المرضى، وثالثا يجب على كل طبيب أن يمتلك دفتره الخاص الذي يدون فيه كل تجاربه الشخصية وبعض الحالات الاستثنائية التي تصادفه. فقد كان يزرع في نفوس تلاميذه الفضيلة وحسن الأخلاق مؤكدا لهم قدسية مهنة الطب، محاربا قولا وعملا كل أنواع الشعوذة في أي مكان كانت وفي أي صورة ظهرت.


اقتحم الرازي في بداية حياته العلمية معمل الخيمياء القديم بغية الحصول على الذهب من المعادن الرخيصة، لكنه سرعان ما التفت إلى معمل آخر يجري فيه تجاربه الكيميائية منقبا عن كنز الشفاء لتركيب العقاقير والأدوية، واضعا في ذلك كتابه القيم سر الأسرار الذي ضمنه وصفا دقيقا للدواء. فضلا عن سبقه في تركيب بعض الأدوية من المعادن وتحضير الإيثير والعلاجات الموضعية وابتكار الكثير من الأدوات المعملية.


كان أبو بكر الرازي من أكثر الأطباء تمسكا بالعقل ودور العقل. بحيث يكون هو المرشد للإنسان والمعيار في اتخاذ أي قرار، أو كما قال أبو العلاء المعري :


 لا إمام سوى العقل 


هذا هو الجانب الفلسفي والطبي عند الرازي لأن هناك فرق كبير بين من يمرض ويلجأ لأساليب علمية، وبين من يمرض ويلجأ لأساليب خرافية بعيدة عن المنطق. فأبو بكر الرازي كان من المدافعين عن العقل لأن هذا هو الطريق القويم للشفاء وهو أول من نادى بما يسمى اليوم بالطب التجريبي. فهو في الواقع اشتغل على الملاحظة والتجربة في المستشفيات واتبع منهجا طبيا تجريبيا خالف به من قبله وخاصة الأطباء الإغريق الذين اعتمدوا على التنظير أكثر من التجربة.


فالرازي دعا إلى التجربة وأن أي فكرة موقوفة حتى تثبتها التجربة. كان يؤمن بحرية الفكر وسريع الملاحظة والتدقيق وكان مؤمنا إيمانا بلا حدود بأهمية التجربة. فالملاحظة هي الأساس ثم هناك مبدأ طبيا آمن به أكثر أطباء العرب وآمن به الطبيب أبو بكر الرازي هو مبدأ الوقاية خير من العلاج.


كان التلاميذ يتلقون دروسهم داخل المستشفيات ويتعلمون القواعد الأساسية للعلاج من خلال المعاينة والملاحظة على المرض، وقد كان الرازي أول من أوجد نظام الطبيب الذي يشرف على الأقل منه خبرة والمبتدئين، وهو ما يعرف الآن بنظام أطباء الامتياز. فلو حصرنا كل من اشتغل بالفلسفة والطب فإما أن يصنفوا من الأطباء الفلاسفة وإما من الفلاسفة الأطباء، وهذا يقوم على فكرة بسيطة فإذا غلب على المفكر الجانب الفلسفي أكثر من الجانب التجريبي الطبي صنف مع الفلاسفة الأطباء. مثل : ابن سينا، وإذا غلب على المفكر الجانب التجريبي صنف مع الأطباء الفلاسفة مثل : أبو بكر الرازي.


يعد الرازي صيدلانيا أيضا حيث كتب عدة رسائل وكتب في الأدوية، وإذا قارنا بين نظرية أبو بكر الرازي ونظرية الكندي في كمية الدواء التي تعطى للمريض نجد فرقا كبيرا يدل على الجانب العلمي عند الرازي. فهو يقول بالتناسب العددي أما الكندي فيقول بالتناسب الهندسي.


دعا الرازي إلى علاج المرضى الذين لا أمل في شفاءهم حيث كان الطب اليوناني يقتصر على المرضى الذين هناك أمل في شفاءهم، لكن الرازي خطى خطوة إلى الأمام ودعا إلى معالجة هذا النوع من المرض ودعا إلى بث الأمل فيهم وإيهامهم بالتشافي قائلا أن مزاج البدن تابع لأخلاق النفس. فالرازي أول من تكلم عن العلاج النفسي بدون استعمال أدوية، فلا تخفى إسهاماته في مجال تصنيف الأمراض النفسية والعقلية. وقد أفرد لذلك كتابا نفسيا أسماه الطب الروحاني، حيث قسم فيه النفس البشرية إلى قسمين : إلهي ومادي.


كتب ومؤلفات الرازي إرث علمي ضخم يدرس في جميع المدن الأوربية


ويعد كتابه الحاوي في الطب أول وأضخم كتاب عربي قدم للطبع في المطبعة بعد اختراعها في أوروبا، وقد قام تلامذته بجمعه بعد وفاته وقد جمع هذا الكتاب كافة العلوم الطبية التي كانت في زمانه من حيث التشخيص والعلاج وتحضير الأدوية. فقد جمع فيه كلما كان مبعثرا من مختلف الأمراض التي تعرض لها سابقوه ومعاصروه، علاوة على بعض الأمراض التي لم يسبقه أحد إلى وصفها وعلاجها كالتهاب المفصل التنكسي.


كتب الرازي أيضا كتابا أسماه الشكوك حول غالينوس يتعرض فيه لكثير من أفكار غالينوس ويناقشها ويدحضها، في حين أن معظم الأطباء قبله وحتى بعده اعتبروا تلك الأفكار مقدسة لا جدال فيها. فقد كان الرازي ينتقد المعلومات الطبية عندما تكون خاطئة، ولابد أن نشير أيضا إلى كتاب مهم جدا وهو كتاب الجدري والحصبة. ففي هذا الكتاب يعتبر الرازي هو أول من فرق بين مرض الجدري ومرض الحصبة ووصف بالتفصيل مرض الجدري والحصبة، وبالتالي إسهامه كان في أنه قدم أقدم وثيقة تصف بالتفصيل المظاهر الإكلينيكية للجذري والحصبة.


ألف أيضا كتابا أسماه رسالة في أوجاع المفاصل، ويعتبر أول كتاب طبي مستقل مؤلف في علم المفاصل، وهو واضع أساس هذا العلم قبل حوالي 1200 سنة. وهناك العديد من الكتب والمؤلفات لأبو بكر الرازي كما أنه أقبل بنهم شديد على التصانيف اليونانية والهندية وغيرها من المؤلفات والرسائل الطبية، قارئا ومحللا ومصوبا بعد طول تجريب واختبار وجامعا لما كان مبعثرا مما تناثر في مجال الطب. فلم يخلد التاريخ قط شهادة في حق الأطباء كتلك المقولة التي نظمها المؤرخ الطبي الكندي ويليام أوسلر حين قال :


 كان الطب مفقودا فأوجده أبوقراط، ميتا فأحياه غالينوس، مبعثرا فجمعه الرازي، ناقصا فأتمه ابن سينا 


وأقبل الغرب على إنجازاته العلمية نظرا لأهمية كتبه سواء الفلسفية أو الطبية أو غيرها، وظل الرازي مرجعا لهم لما يقرب من 500 سنة، فقد كانت تدرس في جميع المدن الأوربية وفي الدول العربية على حد سواء لأنها كتب جامعة مانعة. ويعتبر الرازي إلى جانب ابن سينا وأبوقراط وغالينوس من ركائز الطب ومن أعظم الأطباء في التاريخ.


النكبات والمصاعب نفس الأمر يتكرر مع جميع العلماء المسلمين


لقد عرف أبو بكر الرازي قبل موته المصير الذي يعيشه في هذا العالم الشرير كل كريم أصيل، إذ ضاقت نفوس زملاءه به وبشهرته وبكرمه، وغلت غيرتهم في قلوبهم من تفوقه عليهم، ولم يصعب عليهم افتراء التهم السياسية والدينية. خاصة وأن الرازي كان رجلا ليس ككل الرجال، رجلا حرا في تفكيره وحرا في قلبه وحرا في تصرفاته، فزوروا التهم ضده حتى أبعده الخليفة من بغداد ومن ثم من مدينته الأم الري وحرموه من كل المناصب التي كان يشغلها.


ويفقد صاحب البصيرة بصره ونور عينيه الذي بذله في بحته وقراءته. ورغم أنه عالج الكثيرين من نفس مرضه إلا أنه رفض إلحاح تلامذته عليه في العلاج قائلا :


 لقد رأيت من الدنيا الكثير حتى اكتفيت 


وفاة طبيب العرب الأول مخلدا اسمه في مصاف نخبة أطباء الإنسانية


وقضى فترة حياته يعلم الطب ويغدق على الفقراء حتى عرف بأمير الأطباء ومنقذ المؤمنين. وفي 63 من عمره أي في سنة 311 هـ/923 م، يرحل الطبيب الفيلسوف وتبقى آثاره العلمية من بعده والتي أودعها مؤلفاته العبقرية الخالدة الحاوية لعلوم الطب والفلسفة الواعية لأسرار المهنة. لتضعه في مصاف النخبة ويصبح واحدا من أولئك الأربعة الأوائل آباء الطب.


هذه كانت نهاية المقالة التي تحدثنا فيها عن أحد أبرز العلماء والأطباء الذين جادت بهم الحضارة العربية الإسلامية أمير الأطباء أبو بكر الرازي. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات وشاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.



كتابة تعليق