قصر البارون المسكون قصة القصر الذي لا تغيب عنه الشمس

+ حجم الخط -

قصر البارون المسكون أو قصر الرعب كما يعرف، أحد الأسرار المثيرة والمرعبة المتواجدة بالأراضي المصرية العريقة. القصر الذي لا تغيب عنه الشمس، ارتبط اسمه بالكثير من القصص والأساطير ولفه الغموض من كل جانب، فأصبح مقصدا لكل من يبحث عن الإثارة والرعب وقصص التشويق. اكتسب القصر سمعته هاته من خلال القصص التي نسجت عنه، فهناك من يقول بأنه مرتع للجن والشياطين والعفاريت ولا أحد يزعم بالدخول إليه حتى في وضح النهار.


قصر البارون المسكون قصة القصر الذي لا تغيب عنه الشمس
قصر البارون المسكون قصة القصر الذي لا تغيب عنه الشمس


قصر مهيب وغامض وقصص الأشباح التي يتداولها أهالي المنطقة وجيران القصر جعله القصر الأكثر رعبا. تصدر منه أصوات صراخ الأطفال والنساء وأصوات التعذيب وأصوات الحديث بلغات غريبة وأثاث يتحرك وحرائق تشتعل وتنطفئ. كل هذا يحدث خلال الليل ليحل الصباح ماحيا معه كل شيء. فما هي الحقيقة الكاملة لهذا القصر والقصص التي تروى عنه؟


البارون إدوارد إمبان رحلات استكشافية انتهت ببناء تحفة فنية


تم بناء هذا القصر من طرف الميليونير البلجيكي والمهندس المتميز البارون إدوارد إمبان Baron Édouard Empain. ففي نهاية القرن 19 قدم البارون من الهند وقرر الاستقرار بمصر ليبني هاته التحفة الفنية المعمارية التي لم يتوقع أن يعلو صداها بهذا الشكل وتتخذ هاته السمعة المخيفة. لقب البارون حصل عليه إدوارد من ملك فرنسا تقديرا له على الجهود التي بذلها في تشييد خطوط السكة الحديدية ببلجيكا وفرنسا وإنشاء مترو باريس.


كان البارون شغوفا بالسفر والترحال فزار الكثير من البلدان وتعرف على العديد من الثقافات والحضارات العريقة. حيث زار المكسيك والبرازيل ومن أمريكا الجنوبية إلى إفريقيا حيث أقام الكثير من المشاريع في الكونغو. ومن قلب القارة السمراء إلى القارة الصفراء حتى وقع في حب الحضارة الهندية وعاش هناك لسنوات طويلة. لكن عشقه لمصر كان أكبر وأعظم فلم يجد سوى أن حل بها واستقر إلى أن توفي، وكانت وصيته أن يدفن في التراب المصري وإن مات خارجا.


قصة بناء قصر البارون القصر الذي لا تغيب عنه الشمس أبدا


بحث البارون عن أرض ليقوم بتشييد قصره، فوقع اختياره على قطعة أرضية في الصحراء تتمتع بصفاء الجو والهواء. إذ كانت "مصر الجديدة" أو "هليوبلس" مجرد قطعة أرض صحراء لم يطأها أحد من قبل. كانت نيته أن يقوم ببناء قصر لا يوجد له مثيل في العالم فعكف على دراسة الطراز المعماري، واشترى تصميما غاية في الروعة من الفنان ألكسندر مارسيل يجمع بين العمارة الأوربية والهندية وسلمه لمجموعة مهندسين إيطاليين وبلجيكيين، وبعد خمس سنوات رأت هذه التحفة الفنية النور.


أبرز ما يميز هذا القصر هو أن الشمس لا تغيب عن حجراته وردهاته أبدا بسبب تصميمه الفريد. شرفاته مزينة بتماثيل مرمرية على شكل أفيال، وبرج يدور على قاعدة متحركة دورة كاملة كل ساعة ليتيح للجالس به مشاهدة كل ما حوله في جميع الاتجاهات. القصر مكون من طابقين وملحق صغير بالقرب منه تعلوه قبة كبيرة، لونه الخارجي كان ملفتا للنظر حيث أتى باللون البني الغامق ليتماشى مع لون الصحراء المحيطة به. على جدران القصر توجد تماثيل لراقصات من الهند وأفيال لرفع النوافذ المرصعة بقطع زجاجية صغيرة وفرسان يحملون السيوف وحيوانات أسطورية متكئة على جدران القصر.


لوحة "إغراء بوذا" وهي من أبرز الأساطير التي تزين واجهات القصر وهي تقع على الواجهة الرئيسية أعلى باب الدخول للقصر. كما يوجد عدد من التماثيل الأوربية الطراز المصنوعة من الرخام الأبيض، وهي ذات ملامح رومانية تشبه فرسان العصرين اليوناني والروماني. شرفات أبوابه مرسومة بزخارف الإغريق القديمة دقيقة الصنع وهذا جعل لها منظرا في غاية الجمال.


الطابق التحتأرضي كان للمطابخ وغرف الخدم والمغاسل الرخامية وأماكن ركن السيارات، ويتصل بقاعة المائدة عن طريق مصعد مصنوع من خشب الجوز. أما برج القصر فكان بحد ذاته تحفة معمرية المكون من أربعة طوابق مرتبطة بسلم حلزوني. تم تصميم قصر البارون من الخارج ليكون محاكيا لطراز العمارة الهندية والخميرية بمعابد شمال الهند ومعبد إنغكور وات بكمبوديا.


كنيسة البازيليك تحفة فنية أخرى بناها البارون إدوارد


لم يكن القصر التحفة المعمارية الوحيدة التي بناها البارون إدوارد، فبالإضافة إلى حي مصر الجديدة الذي أسسه قام ببناء كنيسة البازيليك أو كنيسة البارون الشاخصة أمام القصر. وحتى هذا المبنى الشاهق لم يسلم من الإشاعات والقصص الغريبة حاله كحال قصر الرعب، فبحسب الروايات فإن هذه الكنيسة ترتبط مع القصر بممر سري لم يتم العثور عليه حتى يومنا هذا. الغموض يزداد حلكة عندما نزور الغرفة الوردية المتواجدة بالسرداب، والتي حرم البارون إمبان دخولها حتى على ابنته وأخته البارونة هيلانة. إذ يشاع عن هذه الغرفة أنها تفتح أبوابها على مدخل النفق الطويل الذي يربط القصر بالكنيسة، وهذه الغرفة لم يتم العثور عليها أيضا.


قبر البارون إدوارد موجود أسفل بلاطة في كنيسة البازليك، فبعد وفاته ببلده الأم بلجيكا نقل جثمانه إلى مصر ليدفن هناك عملا بوصية ورغبة البارون. ومع موت إدوارد بدأت القصة الغامضة والمرعبة لقصر البارون تتشكل ويكتب فصل جديد من حكاية هذا المعلم الأثري. انتقلت ملكية القصر إلى الإبن جان حتى وفاته سنة 1946 والذي دفن هو الآخر بالكنيسة بجانب والده، ومن ثم إلى الأحفاد ليتعرض للإهمال لسنوات طويلة قبل أن يباع في مزاد علني بمبلغ 160 ألف جنيه مصري سنة 1954.


قصر البارون أسطورة بيت الأشباح بين الحقيقة والخيال‎


العديد من القصص تم تداولها حول القصر لعقود طويلة، فبعد هجره وإهماله تحول إلى مصدر إلهام لمحبي قصص الجن والعفاريت والأرواح الشريرة، فعرف بين جيران القصر باسم قصر الرعب. تتعالى أصوات الصراخ ليلا، أزيز تحريك أثاث القصر بين حجراته يكون مدويا عند منتصف الليل، الأضواء تنير فجأة وتنطفئ فجأة، صلوات تتلى بلغات غريبة. هذا ما أكده العديد من المارة بالقصر الذين رأوا أيضا دخانا ينبعث من غرفة القصر الرئيسية ثم دخل في شباك البرج الرئيسي للقصر، بعدها ظهر وهج نيران ما لبث أن انطفأ وحده دون تدخل من أي أحد.


لماذا كل هذه الشائعات حول قصر البارون؟ وإذا ما اعتبرناه فعلا قصرا مسكونا فما هو السبب في هذا؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه كل من يسمع بقصر البارون لأول مرة ويتعرف على الشائعات المحيطة به. ربما كانت حياة البارون التعسة هي أحد أهم الأسباب التي زادت من القصص المرعبة التي تناقلها الناس لمائة عام.


فقد ولد البارون بعرج ظاهر في قدميه بالإضافة إلى مرضه بالصرع وكثيرا ما كانت تنتابه نوبات الصرع فيسقط مغشيا عليه في الحديقة حتى الصباح. فالبارون كان رجلا صارما حتى أن خدمه لا يستطيعون الاقتراب منه إلا بأمره. هذا فيما يخص البارون لكن ماذا عن القصر؟


من الأمور العجيبة التي زادت الغموض هو قصة مقتل الأخت هيلانة، تقول الأسطورة أن الأخت سقطت من شرفة غرفتها بالقصر ورغم صراخها ومناجاتها إلا أن البارون لم يسارع إلى إنقاذها وإنما استمر في جولته في البرج الدوار مستمتعا بمشهد غروب الشمس. توقفت القاعدة عن الدوران بسبب روح هيلانة الغاضبة التي عطلت دوران البرج، وظل شبحها يظهر للبارون فيرعبه ويخيفه. ولكي يتخلص البارون من هذا الكابوس قرر تحضير روح أخته من أجل الاعتذار منها، إلا أن الروح الغاضبة والساخطة لم تقبل الاعتذار. فدخل البارون في حالة اكتئاب أدت في النهاية إلى وفاته، لذلك فالأصوات التي تصدر من القصر ليلا هي صراخ البارون وأخته.


سلسلة انتقام الأخت لم تقف عند هذا الحد بل تخطته لدرجة قضاءها على سكان القصر جميعا. فقد وجدت زوجة البارون مقتولة في المصعد الذي يصل بين المطبخ وأعلى البرج، كما وجدت رئيسة الخدم السيدة "دو مورييه" مقتولة في نفس المصعد، وأعقب ذلك وفاة 6 خادمات في حوادث غريبة ليس لها تفسير وبطرق مرعبة.


حقيقة ما يحدث بقصر البارون نفض الغبار وحل هذا الغموض


إذا من خلال ما ذكرناه سابقا فإن كل ما يحدث بقصر البارون يعود للجن والأشباح التي تعيش به، لكن الأمر الصادم هو أن شقيقة البارون لا وجود لها من الأساس. الباحث المصري رفيق جورج الذي وثق لكل ما هو متعلق بالقصر والبارون، أكد في إحدى مقابلاته الصحافية أن :


 جميع وثائق نسب العائلة تنفي تماما وجود هذا الاسم (هيلانة)، فلم يكن في عائلة البارون شقيقة له تدعى هيلانة من الأساس، وهناك سيدة ما، ولكن ليست هيلانة، وحتى الآن ليس لدي ما يثبت هذا الاسم. 


هذا بالإضافة إلى أن البرج لا يدور كما يروج، وينفي جورج أيضا الروايات التي تحكي كيف قضى القصر على سكانه واحدا تلو الآخر ويتساءل :


 هل هناك محضر شرطة يثبت وقوع جرائم قتل في القصر في ذلك الوقت؟ أعتقد لا، لقد بحثت طويلا ولم أجد شيئا. 


أما أمر وفاة البارون بسبب شبح شقيقته فليس بالأمر الصحيح، الواقع أن البارون توفي جراء إصابته بمرض السرطان. حسنا لقد تم حل الغموض حول البارون وعائلته وكيف قضوا نحبهم. لكن ماذا عن الحوادث الغريبة والأصوات المرعبة التي شهدها الناس بأعينهم وسمعوها بآذانهم؟


كل هذه الحوادث قد وقعت بالفعل ولم تكن مجرد أوهام أو تخيلات من طرف الناس وجيران القصر لكن المتسبب فيها لم تكل الجن أو الأشباح كما هو مزعوم بل هم عبدة الشيطان. ففي سنة 1997 اكتشفت السلطات المصرية أن مجموعة من الشباب يدخلون إلى القصر المهجور ويقيمون فيه حفلات صاخبة وتبين أنهم من عبدة الشيطان، فشغلت هذه الحادثة الرأي العام المصري في ذلك الوقت. اعتبر البعض أن ذلك يفسر تلك الروايات الغريبة التي أحاطت بالقصر وضربة قاضية للمؤمنين بقصص الجن والأشباح.


ترميم قصر البارون المعلمة الأثرية والسياحية وإعادة فتحه


تم إعادة ترميم القصر سنة 2017 وبالتعاون مع الحكومة البلجيكية وصلت تكلفة المشروع 114 مليون جنيه مصري تقريبا. وبحلول العام 2020 تم افتتاح القصر رسميا في أوجه السياح والزائرين، وأصبح قصر البارون معلما أثريا سياحيا وبات يضم قصر البارون المرمم معرضا لتاريخ هليوبوليس، بما في ذلك ترام قديم معروض في الحديقة بالإضافة إلى سيارتين من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.


هكذا نكون قد وصلنا لنهاية هذه المقالة التي تعرفنا فيها على التفاصيل الكاملة حول قصر البارون الغامض القصر الذي بدأ بقصة جميلة وانتهى بقصة مرعبة. أرجو أن أكون قد أفدتكم بهذه المعلومات. شاركونا برأيكم في التعليقات ولا تنسوا زيارة حساباتي الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر هذه المقالة مع أصدقائكم، وإلى أن ألقاكم في مقالة جديد إلى اللقاء.




كتابة تعليق